ثم تطلع الصبي الصغير -وهو لم يتجاوز ست سنوات من عمره- بنظره فإذا بذلك الخطر يتخطى بلاد العراق إلى الشام حيث كان الرعب قد سبقه إلى هذه المنطقة حتى يئس بعض أهل المدن من المقاومة ضد هؤلاء الغزاة فأخذوا يقدمون فروض الطاعة والولاء إلى ذلك العدو الغاشم [1] ، ومن لم يقدم لهم فروض الطاعة ذهبوا إليه بجحافلهم إلى عقر داره يدكون حصونه ويخربون بنيانه ويقتلون أبناءه فقاموا سنة 658هـ بمحاصرة حلب حصارا شديدا سقطت بعده في أيديهم فكان جزاؤها أن ذبحوا أبناءها وأكثروا فيها السلب والنهب والقتل، ولم ينج منهم إلا فئة قليلة جدا استطاعت الاختفاء عن أعينهم [2] ، ثم واصلوا خطتهم في الاستيلاء على بلاد الشام كله حتى وصلوا إلى غزة [3] فدانت لهم تلك المنطقة وتحكموا في رقاب المسلمين، يذيقونهم العذاب والهوان. لاحظ ذلك كله ابن تيمية بقلبه الصغير المرهف فهاله هوان المسلمين، وإذلالهم وأخذ يقلب فكره في الماض البعيد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم في عز الدولة الإسلامية التي دانت لها البلاد من الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا. وتساءل عن أسباب الهوان الذي يعيش فيه المسلمون الآن فعلم أن السبب في ذلك كله هو بعدهم عن الإسلام والاستهانة بتعاليمه فهانت نفوسهم فلم يستطيعوا دفع هذا الشر عنهم.
وفي ظل الخنوع والاستسلام والذل من المسلمين أصاب التتر الغرور لكثرة انتصاراتهم فأرسلوا إلى حكام مصر وكانوا من المماليك رسالة يتهددونهم فيها ويطلبون منهم التسليم والإذعان وإلا أذاقوهم كأس الذل والهوان [4] . فكأنما كانت هذه الرسالة لطمة وجهت إلى المماليك أيقظتهم من رقادهم ليراجعوا حساباتهم ويناقشوا أنفسهم في سبب تخاذل المسلمين الذي مكن منهم عدوهم إلى هذه الدرجة، فأعلنوها حربا إسلامية برفع راية الجهاد في سبيل الله لنصرة شريعته وإعادة أمجاد الأمة الإسلامية إلى ما كانت عليه. وسنذكر هنا نبذة عن تاريخ المماليك وقيام دولتهم حيث في ظلها عاش ابن تيمية لنعرف تأثير الناحية السياسية عليه.
أصل المماليك:
(1) ابن الوردي: تتمة المختصر في أخبار البشر جـ4 ص293، حيث ذكر أمثلة على ذلك ما فعله كبراء حماه حين سلموا مفاتيح المدينة إلى هولاكو بعد سقوط حلب في يديه. وللاستزادة في هذا الموضوع يراجع تاريخ ابن الوردي.
(2) ابن الوردي: ن. م. س، جـ 2 ص292 - 293.
(3) ابن الوردي: ن. م. س، جـ 2 ص293.
(4) انظر نص الرسالة في فصل علاقة المماليك في مصر بالمغول في العراق.