فأصل المماليك رقيق أتراك أسكنهم الملك الصالح نجم الدين أيوب في مصر اعترافا بشجاعتهم ووفائهم وعرفوا بالبحرية [1] . وبعد وفاته استطاع رجل منهم وهو عز الدين أيبك التركماني أن يتولى الحكم بعد مقتل توران شاه ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب ولقب نفسه الملك المعز فكان أول سلاطين المماليك، وساعدته في ذلك زوجته شجرة الدر [2] إلا أن حكمه لم يدم طويلًا فقتل سنة 655هـ [3] فخلفه على الحكم ابنه نور الدين علي [4] ولصغر سنه لم يستطع حكم البلاد فعمت الفوضى سائر أرجاء البلاد وجاء تهديد التتر لمصر، فظهر عجزه عن التصدي لهذا الحدث الخطير كما عجز من قبل عن تسير أمور المملكة مما حدا بأحد مماليك أبيه وهو الأمير سيف الدين قطز [5] أن يستولي على الحكم ويوحد صفوف الأمة ويجمع الأمراء والحكام على غرض واحد وهو رد عدوان المغول وإعلاء شأن الأمة الإسلامية ويعود بها إلى تعاليم الإسلام فأعلن ذلك للناس وجعل شعاره في المعركة ضد التتار"واإسلاماه"فأيدهم الله تعالى بنصره وهزم عدوهم شر هزيمة في موقعة عين جالوت سنة 658هـ [6] فارتفعت معنويات المسلمين وعادت لهم الثقة بأنفسهم حين عادوا إلى الله، ثم تولى الأمر بعد ذلك السلطان بيبرس النبد قداري [7] ودام حكمه حوالي ثمانية عشر عاما قضاها في محاربة التتر والفرنج واعتنى بأمر الجهاد عناية كبيرة لإعلاء كلمة الله في الأرض كما اعتنى بإقامة الشريعة الإسلامية وتحكيم شرع الله في مختلف الأمور ومحاربة المنكر بمختلف صوره [8] .
(1) المقريزي: الخطط جـ 2 ص236، وسموا بالبحرية نسبة إلى النيل حيث كان مقرهم على ضفافه وكان يسميه المصريين بالبحر.
(2) جارية الملك الصالح وهي من المماليك تزوجها الملك الصالح فأنجبت له خليل، حكمت مصر بعد وفاة زوجها ونيابة عن ابنها ثم تزوجت الملك المعز أيبك، ثم تآمرت على قتله فجزاها المماليك بالقتل. أنظر: المقريزي: الخطط جـ2 ص237.
(3) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ 7 ص13.
(4) ن. م. س: جـ7 ص63.
(5) واسمه محمود بن ممدود أبوه ابن عم جلال الدين منكبرتي بن خوارزم شاه وأمه أخت جلال الدين. وسبى عند غلبة التتر على بلاد خوارزم وبيع في دمشق ثم انتقل إلى القاهرة وتوفى سنة 659هـ. أنظر: المقريزي: السلوك جـ 1 ق2 ص435، ابن خلدون: العبر جـ5 ص379.
(6) المقريزي: السلوك، جـ 1 ق2 ص429 - 443، ابن خلدون: العبر جـ5 ص379.
(7) هو بيبرس البند قداري تركي الجنس اشتراه الصالح نجم الدين أيوب ترقى في خدمته ثم انتقل بعد وفاته إلى خدمة ابنه الملك العظيم توران شاه، وحين قُتل توران شاه تنقل بيبرس في بلاد الشام ثم عاد إلى مصر وخرج مع الملك المظفر قطز لقتال التتر. ومن مواقفه ضد دعاة الهزيمة في بداية الغزو المغولي أن بعض أمراء دمشق أخذ يعظم هولاكو لدى المسلمين ويشير بمصالحته والدخول في طاعته فقام بيبرس وضربه وسبه وقال له (أنتم سبب هلاك المسلمين) - تولى السلطنة بعد مقتل قطز وأقام خلافة عباسية صورية في القاهرة بعد سقوطها في بغداد. أنظر: المقريزي: السلوك جـ1 ق2 ص419.
(8) ما أورده ابن كثير فقال أن السلطان أمر بإراقة الخمور وتبطيل المفسدات والخواطئ في البلاد كلها وأسقط المكوس التي كانت عليهم، وحين تعرضت له امرأة بالطريق ذكرت له غدر صاحب صور بابنها التاجر وقتله وأخذ ماله فركب السلطان وأغار على صور فقتل كثيرا من الفرنج وغنم أمولا كثيرة، وحين سأله صاحبها عن السبب في ذلك ذكر له غدره ومكره بالتجار المسلمين. أنظر: ابن كثير: البداية والنهاية، جـ13 ص254.