الصفحة 12 من 103

في ظل حكم السلطان الظاهر ولد ابن تيمية وترعرع فرأى الخطر المغولي يحدق بالعالم الإسلامي من جميع جهاته وما زالت مخيلته تحتفظ بصورة فرار أسرته من حران هربا من المغول إلى مكان يؤويهم ويحميهم، ولم يكونوا الوحيدين الذين فروا وإنما كانت كثرة الفارين تؤثر أيضا على ابن تيمية فصمم على أن يعمل على طرد هؤلاء الكفار من ديار المسلمين متمسكا بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهو يرى صور الجهاد الذي حمل لواءه السلطان بيبرس ضد المغول والفرنجة على السواء [1] . فكان له تأثير كبير فيما بعد حين تتهاون كثير من الأمراء في رفع راية الجهاد وخلدوا إلى الدنيا واغتروا بها وهي زائلة فكان يذهب بنفسه لدفعهم للسير إلى الجهاد مع بعض العلماء.

قام الظاهر بيبرس بإحياء الخلافة العباسية في مصر ليأخذ حكمه الصورة الشرعية المستمدة من الخليفة لتصبح كل مقاليد الأمور بيده، ثم قام بإنشاء المدارس وتشجيع العلماء حتى أصبحت القاهرة من أكبر المراكز العلمية والسياسية والحضارية في العالم الإسلامي [2] .

بعد وفاة الظاهر تولى الحكم بعده ابنه الملك العادل وكان عمره سبع سنين فخلع لصغر سنه وتولى بدلا منه أتابكه الملك المنصور سيف الدين قلاوون [3] وكان رجلا قويا شجاعا تقيا أعلى راية الجهاد في سبيل الله ضد أعداء الدين شرقا وغربا، فأوقع بالتتر الهزيمة سنة 680ه في حمص [4] كما هزم الصليبيين في طرابلس الشام وطردهم منها [5] .

واصل بعد وفاته ابنه الملك الأشرف صلاح الدين خليل طريق الجهاد فنازل قلعة الروم [6] ونصب عليها عشرين منجنيقا وفتحها بعد ثلاثة وثلاثين يوما عنوة فقتل النصارى وسبى نساءهم وأبناءهم وسماها قلعة المسلمين، وبعد وفاته تولى السلطنة أخوه محمد الناصر وكان عمر سبع سنين فاستولى على الحكم لصغر سنه عدة مماليك إلى أن كبر وتسلم زمام السلطنة ودام حكمه 32 اثنين وثلاثين عاما [7] استطاع فيها أن يوحد جهود المسلمين ويعيد للدولة الإسلامية قوتها وهيبتها في أعين أعدائها. ففي عهده أنزل المسلمون الهزيمة بالتتر في موقعة تل شقحب وطهر بلاد الشام منهم وكانت فترة حكمه الممتدة جعلته أكثر السلاطين معاصرة لابن تيمية كما كانت أهم الأحداث التي عاشها ابن تيمية من سجن واضطهاد في عهده.

(1) ابن الوردي: تتمة المختصر جـ2 ص310، 311، 313، 316.

(2) خاصة وأن أكثر العلماء أخذوا في الهجرة إلى مصر بعد سقوط بغداد وتعرض الشام للخطر المغولي.

(3) من جنس القبجاق، جلب إلى مصر وهو صغير وكان من جملة المماليك البحرية، تنقلت به الأحوال حتى صار أتابك العسكر بديار مصر في سلطنة العادل سلامش ابن الظاهر ودام على ذلك ثلاث شهور إلى أن تم الاتفاق على خلع العادل وسلطنة قلاوون. أنظر: المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص663.

(4) ابن الوردي: تتمة المختصر جـ2 ص326 - 327، المفريزي: السلوك جـ1 ق3 ص690 - 694.

(5) ابن الوردي: تتمة المختصر جـ2 ص335.

(6) قلعة الروم: قلعة حصينة غربي الفرات. أنظر: ياقوت: معجم البلدان جـ4 ص390.

(7) حين تولى السلطان الناصر الحكم في المرة الأولى خلعه الأمير زين الدين كتبغا لصغر سنه وتولى السلطنة بدلا منه، ثم قام عليه نائبه حسام الدين لاجين وخلعه وتولى السلطنة بدلا منه، وبعد حكم دام حوالي سنتين قتل الأخير على يد المماليك، فعاد الناصر للحكم للمرة الثانية وقام بتدبير المملكة بدلا منه الأميران سلار والجاشنكير بعد أن ضيقوا على السلطان، ففر منهم إلى الكرك وانخلع من السلطنة فتسلطن بيبرس الجاشنكير لمدة عشرة شهور عاد بعدها الناصر ليتولى الحكم للمرة الثالثة حيث استمر في الحكم إلى أن توفى. أنظر: المقريزي: الخطط جـ 2 ص238.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت