الصفحة 13 من 103

كان المماليك يحكمون بدين الإسلام في جميع أمور الدولة، وكان للعلماء والقضاة والفقهاء مكانة كبيرة عندهم، فقد كان المماليك يحبون الإسلام، ويهبون بحماس للدفاع عنه لإعلاء كلمة الله [1] وكانوا هم الذين يعينون القضاة والأئمة والشيوخ وكانت أحكام القضاة واجبة التنفيذ إلا أن أساس السلطة وإدارة شئون المملكة كانت بيد السلطان وحاشيته، وإن خالف في بعض الأحيان رأي العلماء، لكن كان الأمر يختلف حين يوجد عالم مسلم جريء قوي الإيمان لا يخاف في الله لومة لائم أمثال الشيخ العز بن عبد السلام وموقفه مع سلاطين المماليك حين أعلن عدم صحة بيعتهم لأنهم رقيق إلا إذا ثبت له أنهم أحرارا [2] . وحين امتنع عن إصدار فتوى بأخذ أموال الناس للاستعانة بها في حرب التتار حتى يضع الأمراء ما لديهم من كنوز ذهب وفضة [3] . فإن لم تف بالتكاليف أجاز لهم أخذ أموال الناس.

ومع حرص المماليك على الشريعة الإسلامية فإننا نجد بعض المماليك يتأثر برجال الصوفية لاعتقادهم الشديد فيهم ومحبتهم وتنفيذ ما يشيرون به عليه ولو كانوا على خطأ [4] .

الناحية العلمية والدينية والاجتماعية:

كان المجتمع في عصر ابن تيمية يتكون من طائفتين:

1 -طائفة رجال العلم من الفقهاء والقضاة والنحاة وغيرهم.

2 -الطائفة الثانية هي عامة الشعب التي انتشرت فيهم البدع والخرافات إلى جانب بعض الفرق الضالة التي اتخذت شعار الإسلام ستارا لتطحن فيه وتخربه من الداخل.

فمن ناحية العلماء نجد هناك كثيرا من الذين نبغوا في مختلف جوانب المعرفة وكانوا مثالا للمسلم العالم العامل بأمور دينه ودنياه فألفوا كثيرا من أمهات الكتب الإسلامية والموسوعات العلمية حتى عرف هذا العصر بعصر الموسوعات العلمية، وتركوا لنا تراثا ضخما نعتز به إلى جانب علوم من سبقهم أمثال العلامة الشيخ تقي الدين أبي عمرو بن الصلاح [5] الذي ألف المقدمة المشهورة بمقدمة ابن الصلاح وشيخ الإسلام وسلطان العلماء العز بن عبد السلام [6]

(1) كما حدث حين هب قطز لدفع التتر في عين جالوت، والظاهر بيبرس في حمص وغيره.

(2) محمد حسن عبد الله: عز الدين بن عبد السلام ص163.

(3) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص898.

(4) كما حدث للشيخ ابن تيمية على يد الأمير بيبرس الجاشنكير الذي أمر بسجن ابن تيمية إرضاء لشيخه الصوفي نصر المنبجي الذي غضب لطعن ابن تيمية في ابن عربي كما سنرى في فصل لاحق.

(5) تقي الدين ابن الصلاح الحافظ شيخ الإسلام أبو عمر وعثمان بن عبد الرحمن الكردي الشهروزي الموصلي الشافعي ولد سنة 577هـ، تفقه وبرع في المذهب وأصوله وفي الحديث وعلومه وصنف التصانيف مع الفقه .. والديانة ولجلالة قدره كان إذا أطلق علماء الحديث لفظ الشيخ فيكون المراد به هو، وقد أشار إلى ذلك صاحب الألفية بقوله فيه:

وكلما أطلقت لفظ الشيخ ما أريد إلا ابن الصلاح مهمهما.

أنظر: ابن العماد: شذرات الذهب جـ5 ص221.

(6) شيخ الإسلام أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام ابن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي ثم المصري الشافعي الإمام العلامة وحيد عصره ولد سنة 578هـ برع في الفقه والأصول والتفسير والحديث والعربية فاق الأقران وبلغ رتبة الاجتهاد رحل إليه طلبة العلم من سائر البلدان. ألف كثيرا من الكتب، كان فيه زهد وورع وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر تولى خطابة دمشق فأزال كثيرا من بدع الخطباء فاجتنب الثناء على الملوك وكان يدعو لهم، وحين بلغ خبر موته للسلطان الظاهر قال لم يستقر ملكي إلا الساعة لأنه لو أمر الناس في بما أراد لبادروا إلى امتثال أمره، توفى سنة 660هـ.

أنظر: ابن المعاد: شذرات الذهب جـ5 ص301، 302.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت