-جهاد ابن تيمية في ميادين مختلفة
-دور ابن تيمية بعد موقعة وادي الخازندار
الفصل الثالث
جهاد ابن تيمية
كان ابن تيمية رحمه الله فقيها عالما من أعظم علماء عصره، امتاز عنهم بجهاده في جميع الميادين لرفع راية الإسلام والرجوع بالمسلمين إلى المنبع الصافي إلى الكتاب والسنة فلم يكن رجل دين وعلم، يلقي دروسه ويحث على الجهاد ليتقاعس ووقت الأزمان بل كان مسلما حقيقيا يعرف رسالته ودوره في هذه الحياة ويستغل مقدرته التي وهبه الله إياها، فحمل السيف والقلم والعلم جنبا إلى جنب، وهو في صفوف المجاهدين يذود عن حمى الإسلام والمسلمين، فقد وجد ابن تيمية في السلف الصالح القدوة الحسنة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم نبي الأمة مربيا وقائدا عظيما يقود الجيوش والغزوات وتبعه صحابته رضوان الله عليهم ومن تبعهم وهم حفظة القرآن الكريم والحديث الشريف ففتحت على أيديهم بلاد فارس والروم، واستمر العمل على منهج السابقين من المبادرة إلى الجهاد وفي مقدمة المجاهدين كان العلماء ورجال الدين. ومن أجل ذلك ظلت راية الإسلام مرفوعة طالما كان العلماء في مقدمة المقاتلين. ولعل آخر من عرفنا ممن حملوا السلاح من كبار العلماء هو العلامة القائد المحنك، أسد بن الفرات [1] كان قاضي قضاة القيروان وكان من أعظم علماء عصره علما وفقها كان جنديا جريئا وبحارا مغامرا قاد جيشا كبيرا لفتح صقلية فعبر البحر المتوسط واستطاع أن يستولي على عدة حصون فيها [2] ، فلا عجب أن يعيد ابن تيمية سيرة السلف الصالح حين بعد الناس عن فهم العقيدة الإسلامية الصحيحة وبعد بهم العهد عن عصر أسلافنا الأمجاد فتكاسلوا وتخاذلوا وأصابهم الوهن فقام ابن تيمية وأعاد إلى الأذهان صورة أولئك العلماء العاملين حيث حمل السيف بنفسه قبل أن يأمر الناس به فكان رجل وقته فإذا ما دعته الحاجة إلى محاربة المنكرات والموبقات وجدناه على رأس القائمين بذلك والداعين له، وإذا عرضت مسألة أو مناظرة انبرى لها وألف فيها كراريس عدة تبهر السامعين والمفكرين فهو في كل علم يتحدث فيه كأنه لا يعرف غيره من العلوم لكثرة تبحره فيه ومعرفة بدقائقه وخصائصه، وإذا ما تعرضت سلامة الإسلام والمسلمين للخطر رأيته في مقدمة المجاهدين حاملي راية الجهاد فهو كما قال السيد الجليند: (وقف ابن تيمية من مجتمعه موقف الطبيب الماهر بمآتي المرض وكيفية علاجه) [3] .
لذلك كان أمام ابن تيمية أن يجاهد تارة بقلمه وتارة بكلمته وأخرى بيديه بحسب ما يقتضيه الحال.
-جهاده بالكلمة:
(1) أسد بن الفرات بن بشر الأندلسي من غرناطة رحل شابا لطلب العلم إلى المشرق فأخذ عن مالك بن أنس في المدينة مذهبه، ثم عاد إلى أفريقية تولى قضاء القيراوان، ألف كتاب (المختلطة) في الفقه المالكي، قام بعدة غزوات، توفى بآخرها في صقلية بوباء كان بها سنة 213هـ. عنان، مواقف حاسمة ص89، 90.
(2) عنان: مواقف حاسمة، ص89،90.
(3) ابن تيمية وموقفه من قضية التأويل ص20.