الصفحة 52 من 103

أراد غازان التمويه على المسلمين وتبرير فعلته تلك حين رأى تنبه المسلمين لمكيدته فأرسل رسالة إلى السلطان الناصر قلاوون يدعي فيها الإسلام ويبرر فعلته تلك بأنها محاولة رد اعتبار بعد غزو عسكر ماردين له [1] ، وإنه كان ينتظر اعتذار السلطان له فلم يفعل فأرسل إليه يتهدده ويتوعده مستشهدا بآيات قرآنية تجعل من يقرأ الرسالة يصدق كاتبها إن لم يقرأ أفعاله بالشام إلا أن السلطان والمسلمين لم تنطل عليهم هذه الحيلة الجديدة، فإن عبث التتر في البلاد وفسادهم لا يمكن أن تغطيه رسالة فردوا له الجواب وكالوا له الصاع صاعين بعد أن تأكدوا من عدم صحة إسلام التتر فتدربوا على القتال وأعلنوا رفع راية الجهاد في سبيل الله ضد الكفرة والملحدين المتلبسين بلباس الدين.

وفي سنة 702هـ اشتبك الفريقان في الموقعة الفاصلة في تل شقحب التي لم يقم بعدها للتتر قائمة [2] .

بعد موت غازان ارتقى عرش خدابندا بن أرغون حيث أظهر الرفض في بلاده وقدم الروافض على المسلمين السنيين وساءت العلاقات بينه وبين المماليك في مصر إلى أن انتهى أمره بموته مسموما، فارتقى العرش بعد ابنه أبو سعيد فمال إلى العدل وإقامة السنة حيث كان من الجيل الذي تربى على الإسلام فدخل فيه حقيقة لا رياء وسمعة فأقام الخطبة في بلاده بالترضي عن الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ثم عثمان وعلي رضي الله عنهما ففرح الناس بذلك وأخمد الفتن والثورات والحروب وأرسل للسلطان الناصر سنة 720هـ وبعث إليه لطلب الصلح بين الدولتين وتسوية الخلافات فثبت للناصر صدق إسلامه ونيته في الصلح خاصة وقد علم أنه أزال المنكرات التي كانت متفشية في الدولة منذ عهد أسلافه كالخمارات والحانات ومواضع الزنا وتشدد في عقوبة من ثبت عنده ارتكابها [3] فأجابه إلى ما أراد وأرسل له رسالة لكي يسود الحب والوئام بينهما بدلا من الحروب وإراقة الدماء فتبادلوا الهدايا والتحف عدة مرات وبدأت صفحة جديدة في تاريخ العلاقة بين الدولتين.

وبعد وفاة أبي سعيد سنة 736ه [4] ـ تولى سلطنة المغول أحد خلفائه وهو موسى خان حيث واصل طريقه سلفه في كسب ود وصداقة المماليك خاصة وأنه كان مسلما شديد التمسك بدينه ويعمل على نصرته فخرج على رأس جيش لمحاربة أحد الخارجين عليه وعلى الإسلام فنصره الله سبحانه وتعالى فأرسل إلى السلطان الناصر يخبره بانتصاره على عدوه وقد كان للعلاقات الودية بين البلدين واتحادهم بالإسلام أن تجهز السلطان الناصر محمد بن قلاوون لنصرة السلطان موسى خان إلى أن وردته أخبار هذه الانتصارات فعاد أدراجه وأكرم رسل سلطان المغول وأحسن إليهم وأرسل إلى موسى خان رسالة تنطق بالود والصفاء والمحبة لتظهر لنا في النهاية الفرق بين أول رسالة وصلت المماليك من جنكيز خان وآخر رسالة على حسب المعلومات التي وصلتنا من السلطان الناصر محمد بن قلاوون إلى السلطان موسى خان.

(1) سيأتي شرح لهذه النقطة في بداية موقعة وادي الخازندار وسنورد نص الرسالة في الملاحق إن شاء الله تحت رقم 4.

(2) سيكون هناك فضل في هذه الموقعة إن شاء الله.

(3) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص97، 98، 99.

(4) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت