وحين تولى العرش كان مسلما يخاف الله ويخشاه ويعمل على مرضاته ويحاول بكل جهده أن يهدي قومه إلى طريق الحق والصواب بعد أن أحس بحلاوة الإيمان إلا أنه فشل في مجهوده هذا فلم يوافقه المغول على طريقه هذا حيث كانوا شديدي التمسك بشريعة سلاطين المغول فنقموا عليه ذلك وثاروا ضده والتفوا حول ابن أخيه ويدعى أرغون الذي استغل الفرصة فقتل عمه وارتقى العرش بدلا منه سنة 683هـ/ 1284م [1] فشن حربا شعواء على الإسلام والمسلمين متبعا لمختلف الطرق بين الدولتين لم يدم الحال إلا حوالي سنتين مدة حكم السلطان أحمد تكدار لتعود العلاقات المتوترة من جديد وتشتد الحرب بينهمالاختلاف خطر سير سلطان المغول، إلى أن ارتقى العرش السلطان غازان وكان سياسيا محنكا وقائدًا مجربا أخذ يراجع حساباته ويقلب الأمور في أسباب الهزائم المتكررة التي لحقت بالتتر فمنذ موقعة عين جالوت إلى موقعة حمص والتتر في هزائم متكررة، فرأى أنه يحكم شعبا مسلما يدين بالإسلام، وينظر إلى حكامه المغول الوثنيين نظرة ريب وتشكك فلا يتعاونون معهم في حروبهم ضد إخوانهم المسلمين، لذلك رأى أن أفضل طريقة يستطيع بها أن يكسب شعبه إلى صفه والوقوف إلى جانبه في حروبه ضد المماليك هي أن يدخل في دين شعبه ويعلن إسلامه في سنة 694ه [2] ـ، ولكي يزيد من التفاف شعبه حوله أظهر الفرح والسرور بذلك فنثر الذهب والفضة عليهم وشهد الجمعة وصام رمضان، للإمعان في تضليل المسلمين تسمى باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق على نفسه اسم محمود غازان، وقام بالانتصاف للمسلمين من المسيحيين بعد ما نالهم الأذى والاضطهاد في عهد سلفه [3] فنجحت خططه كما سنرى فيما بعد في موقعة وادي الخازندار إن شاء الله إذ لم يقتصر الأمر على كسبه لشعبه فقط بل تعداه إلى جيش الشام ومصر الذي ألقى السلاح حين علم أثناء المعركة بإسلام غازان لحرمة دم المسلمين، ولعلم المسلمين بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم:"إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار".
لم يستطيع غازان أن يستمر في خداع المسلمين بإسلامه المزيف فلم يلبث أن كشف عن خبيئة نفسه وسطحية إسلامه من خلال الأعمال التي قام بها جيشه في مسلمي الشام والتي لا يمكن أن تصدر عن مسلم مؤمن بالله مصدق بالإسلام حيث قتلوا وسرقوا ونهبوا وانتهكوا حرمة بيوت الله، فيقول المقريزي:"واتخذوا الجامع حانة يزنون ويلوطون ويشربون الخمر فيه [4] ..".
هنا تنبه المسلمون إلى عدم صحة إسلام التتر وكان على رأسهم ابن تيمية فأخذ يحرض الناس ويعلن أن التتر ليسوا مسلمين إنما هم كجنس الخوارج يجب محاربتهم مستشهدا بأفعالهم القبيحة [5] هذه فأحدث بذلك صحوة لدى المسلمين ليراجعوا مشاعرهم ومواقفهم من هؤلاء الغزاة.
(1) ابن كثير: البداية والنهاية جـ13، ص304.
(2) ن. م. س: جـ13 ص340.
(3) مما يؤكد لنا عدم اعتناق غازان للإسلام عن اقتناع وعقيدة أنه حين أراد التزوج بإحدى زوجات أبيه وشريعتهم لا تحرم ذلك أعلمه أحد العلماء بتحريم ذلك في الإسلام ففكر أن يرتد عنه لكي ينال بغيته.
أنظر: ابراهيم شعوط: مقالة في الوعي الإسلامي ص22.
(4) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص893.
(5) مجموع فتاوى ابن تيمية جـ28 ص520 - 521، جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم.