عرف الناس في ابن تيمية علمه الكثير وبراعته في كل علم يخوض فيه في المساجد والمدارس، وقد كان رحمه الله لا تأخذه في الحق لومة لائم فإذا ما رأى أخطاء مستشرية في مجتمعه بادر بمحاربتها وبين خطأها فيعقد لذلك كثيرا من المجالس الكبار حيث يحضرها كثير من العامة وطلاب العلم والعلماء، فكان يتصدى في أيام الجمع لشرح القرآن الكريم في الجامع الأموي بدمشق حيث كان يعقد فيه أكبر حلقات الدروس [1] فقد كان يرى العامة من المسلمين بعيدين عن النبع الصافي، قد تفشت فيهم أمور بدعية منكرة سببها هذا البعد فيتحمل على عاتقه مع بقية العلماء توعية الناس بكتاب الله العزيز وسنة نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام.
ولم يقتصر أمره على إلقاء الدروس فقد كان على أتم استعداد للمناقشة في أمور الشريعة الإسلامية ولو أدى به الأمر إلى الاصطدام بمفاهيم الناس وآراء العلماء وإن ناله الأذى في سبيل ذلك. فعقد مجالس للمناظرة في العقيدة الواسطية [2] حيث حضر فيها كثير من القضاة والعلماء والمفتين والمشائخ والأمراء في دمشق دافع فيها ابن تيمية عن معتقده الذي هو اعتقاد أهل السنة والجماعة وتصدى له الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني فتناظرا وكل منهما بحر في علمه وسعة اطلاعه إلا أن ابن تيمية أفحم مناظره بالحجة والبرهان فانتهى الأمر بقبول كلام ابن تيمية والاعتراف له بالعلم والتفوق وصحة المعتقد [3] .
كما كان رحمه الله يعقد المجالس لصرف الناس عن الشرك بالله مبينا لهم أحوال كثير من المتفلسفة والصوفية الذين يدعون أنهم أولياء لله وأن مرتبتهم أفضل من مرتبة الأنبياء مدعمين ذلك بأعمال خارقة للعادات ليسلبوا بها عقول العامة، فأخذ ابن تيمية في التصدي لأمثال هؤلاء مبينا للناس أن ما يقوم به هؤلاء ليس من الكرامة إنما هو أحوال شيطانية يعينهم عليها الشياطين لإبعاد الناس عن عبادة الله وحده [4] فتاب بعض شيوخهم عن ذلك حين تبين لهم الحق واستغفروا لذنبهم [5] كما عقد مجالس لرد ملابسات الجهمية وادعاءاتهم الكاذبة التي يرمون من ورائها إلى الطعن في الإسلام وإبعاد الناس عن عبادة الله وحده [6] لتمزيق وحدة المسلمين وصرفهم عن الإسلام فعقد مجالس تبين حقيقة الإيمان بالله وأنه ما وقر في القلب وصدقه العمل فأبطل بدع أمثال هؤلاء.
-جهاده بالقلم:
(1) ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص303.
(2) كان سبب كتابة هذه العقيدة أن أحد قضاة واسط واسمه رضى الدين الواسطي قدم للحج وكان فيه خير ودين، شكا للشيخ ابن تيمية مدى بعد الناس في بلاده وتحت ظل حكم التتر في العراق من بعد عن الشريعة الإسلامية وكثرة تفشي الجهل والظلم فيهم فسأل الشيخ ابن تيمية أن يكتب له عقيدة تكون عمدة له فاستعفاه الشيخ من ذلك إلا أن الواسطي أصر على ذلك فكتب له هذه العقيدة وهي عقيدة أهل السنة والجماعة. ابن عبد الهادي: العقود الدرية، ص210، 211.
(3) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص36، 37، ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص203: 248.
(4) ابن تيمية: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص72، والصفحات التي تليها إلى صفحة 135.
(5) المصدر السابق ص158.
(6) وذلك بادعائهم أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه وليست الأعمال من ضمن الإيمان فقالوا قد يكون الإنسان مؤمنا يملأ الإيمان قلبه وهو مع هذا يسب الله ورسوله ويعادي أوليائه الخ (ابن تيمية: الإيمان ص160: 165) .