زادت نقمة حاسديه وهم يرونه في كل يوم تزداد رفعته ويلتف الناس حوله فأرادوا أن يكيدوا له في هذه المرة كيدا لا يستطيع منه فكاكا فأخذوا يحصون عليه أنفاسه وحركاته وسكناته إلى أن ظفروا به بفتوى أفتاها منذ 17 سنة يمنع فيها من شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين [1] ويشمل ذلك قبره عليه الصلاة والسلام فسعوا به عند ولاة الأمور وكادوا له لما يعلمون من مكانة النبي صلى الله عليه وسلم في القلوب وأثاروا العامة عليه وكاتبوا السلطان الناصر بذلك فأمر بعقد مجلس من القضاة يقرر مدى صحة هذه الفتوى فحرف أعداؤه فيها وبدلوا إلى أن رأى السلطان حماية للشيخ من سخط العامة لفتواه تلك بعد أن أحدثت بلبلة في جميع الأوساط فأمر بسجنه في قلعة دمشق حيث أخلى له قاعة فيها وأجرى إليها الماء وأذن لأخيه زين الدين بخدمته بأمر السلطان وتقديم جميع ما يحتاج إليه [2] . يقول ابن عبد الهادي: (وما زال الشيخ تقي الدين رحمه الله في هذه المدة معظما مكرما يكرمه نقيب القلعة ونائبها إكراما كثيرا ويستعرضان حوائجه ويبالغان في قضائها) [3] .
كان حبس الشيخ ابن تيمية فيه خير كثير له حيث اتجه إلى العبادة وتلاوة القرآن الكريم وتمحيص آرائه وتدوينها وتفسير بعض آيات القرآن الكريم والإجابة على الفتاوى التي ترده في القلعة من الناس [4] ولم يعجب خصومه الحالة التي فيها ابن تيمية فهو في عيش رغد هنيء فأرادوا التضييق عليه وحرمانه من الكتب والقراءة والكتابة فاستطاعوا إصدار أمر من السلطان بإخراج ما معه من الكتب والأوراق والدواة والقلم مع منعه من القراءة والمطالعة ومنع الناس من زيارته وحبس تلامذته وتعزيرهم [5] .
أخذ ابن تيمية يسجل خواطره على ورق متناثر أو على الجدران بفحم وجده في الحبس [6] ذكر فيها أنه في جهاد عظيم لا يقل عن جهاده للتتر والروافض [7] فقد كان ابن تيمية رحمه الله شاكرا لأنعم الله عليه راضيا بقضائه فهو يعلم أن كل أمر المسلم إلى خير إذا مسته سراء شكر وإذا مسته ضراء صبر.
اتجه الشيخ مع أخيه إلى الاستزادة من القراءة والتأمل في كتاب الله فختموا ثمانين ختمة وشرعوا في الواحدة والثمانين إلى أن وصلوا آية"إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ .."الآية. فمرض الشيخ بضعا وعشرين يومًا توفى بعدها في سنة 728هـ.
(1) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص123، محمد أبو زهرة: ابن تيمية، ص83 - 84.
(2) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص123. محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص85.
(3) العقود الدرية ص363. وكانت زيارة القبور في نظر ابن تيمية أحد أشكال تقديس الأولياء وهذا من أكبر الشرك بالله خاصة وأن الروافض يرون أن زيارة قبور أوليائهم تماثل الحج عند أهل السنة. هنري لاورست: نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية ص280.
(4) محمد أبو زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية جـ2 ص434 - 435.
(5) ابن كثير: البداية والنهاية ص134. أنور الجندي: نوابغ الفكر الإسلامي ص319.
(6) البدري: الإسلام بين العلماء والحكام ص220، محمد بهجت البيطار: حياة شيخ الإسلام ص31.
(7) ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص366.