عاد السلطان الناصر محمد إلى السلطنة [1] فكان أول أمر أصدره هو الإفراج عن الشيخ وإحضاره من الاسكندرية [2] وكان السلطان محبا له ومعظما يعرف علمه فأحضر الشيخ وبالغ في إكرامه والاحتفاء به فأقام الشيخ بمصر يدرس ويفتي ويناظر ويبذل النصيحة للسلطان إلى أن قرر الخروج مع السلطان للغزاة حين بلغهم مسير التتر إلى الشام فوصلوا دمشق وخرج الناس لاستقبالهم وبالغوا في الحفاوة والترحيب بالشيخ بعد غيبة سبع سنين ثم عاد السلطان إلى مصر بعد انصراف التتر عن البلاد وترك الشيخ بين أهله ووطنه فعكف فيها الشيخ على الدروس والتحصيل [3] .
رأى ابن تيمية انهيار كثير من العلاقات الزوجية في الشام بسبب الحلف بالطلاق فساءه هذا الأمر كثيرا وهو المعروف بعطفه ومحبة الناس فأراد أن يصل إلى أصل ذلك في الكتاب والسنة والسلف الصالح فلم يجد له أصلا. لذلك أفتى أن الحلف بالطلاق لا يقع. فرح الناس بذلك كثيرا فقد أنقذ علاقاتهم الأسرية من الانهيار والتفوا حوله مما أثار عليه حفيظة كبار المفتين فلم يعجبهم قوله [4] . فذهبوا إلى قاضي الحنابلة وطلبوا من نصح الشيخ بترك هذه الفتوى فأجابه الشيخ ابن تيمية إلى ما أراد إلى أن جاءت أوامر السلطان بمنع الشيخ عن هذه الفتوى [5] وذلك بسعي خصومه بمصر عندها رأى ابن تيمية في هذه الطريقة أنه إن قبلها فقد قبل الدنية في الدين فعاود الإفتاء بها فسجن في قلعة دمشق سنة 720هـ [6] . وظل في السجن لمدة خمسة شهور إلى أن ورد أمر سلطاني بإخراجه 721ه [7] .
بعد خروج ابن تيمية من السجن أقبل على الفقه دراسة وتدريسا إلى جانب اهتماماته بالعلوم الأخرى [8] .
2 -السجن التأديبي:
(1) وقد ذكرنا سابقا تسلط الأميرين سلار وبيبرس على السلطان الناصر فكان أن خلع الناصر نفسه وذهب إلى الكرك ثم عاد مرة أخرى إلى الحكم بعد غيابه عشرة شهور.
(2) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص53. ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص198 - 278.
(3) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص67. محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص73. وكان سبب انصراف التتر عن البلاد قلة العلف وغلاء الأسعار وموت كثير منهم. ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص66.
(4) محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص79.
(5) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص87، عبد الهادي: العقود الدرية ص325.
(6) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص97، ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص326، محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص80.
(7) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص97. محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص82. وقد كان إخراج ابن تيمية من السجن بسعي أصحابه في مصر لدى السلطان إلى أن صدر أمرا بالإفراج عنه. الشرقاوي. الأهرام، ص13 - 20/ 10/ 1982م.
(8) محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص82.