الصفحة 83 من 103

وأخذ يقيم المجالس في تبيين خطئهم بالحجة الواضحة والدليل حتى سقطت منولتهم عند الناس مما أثار حفيظتهم عليه خاصة حين انقسم الصوفية على أنفسهم بعد أن ساق لهم ابن تيمية قصصا من الصوفية الحقة لا التي لا ترفع نفسها عن التكليف [1] .

حين رأى الصوفية ما حل بهم وبمكانتهم في قلوب العامة في مصر سارعوا بالشكوى إلى السلطنة بما أصابهم ومشائخهم على يد الشيخ فذهبت منهم جموع كبيرة إلى القلعة [2] مما أثار الاضطراب وأذن ببداية اندلاع الفتن [3] وكثرت المناظرات والمجادلات إلى أن ظفر الصوفية برسالة لابن تيمية يمنع فيها الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال أنه لا يستغاث إلا بالله سبحانه وتعالى فنشروها بين الناس مما أدى إلى سخط العامة لأن ابن تيمية مس اعتقادهم بالنبي صلى الله عليه وسلم [4] فثارت بلبلة في البلاد فأراد الأمير سلار حماية ابن تيمية من سخط العامة فحبسه في سجن القضاة ووفر له جميع سبل الراحة فكان المكان فسيحا وعنده من يقوم بخدمته وطلاب العلم يترددون عليه ويستفتونه فيما أشكل عليهم [5] وهو بمأمن من غوغاء الصوفية الذين يتربصون به الدوائر.

بعد ذلك تم إطلاق سراح الشيخ ابن تيمية بإجماع من الفقهاء والقضاة فخرج منصورا مؤيدا.

كثر كيد شيخ الصوفية نصر بن المنبجي لابن تيمية وكان معظما عند ال أمير بيبرس الجاشنكير ولا يرد له طلب ففكروا في التخلص من الشيخ بإرساله إلى الاسكندرية بدون أن يصحبه أحد لعل أحدا من العامة أو قطاع الطرق يتعرض له بسوء [6] . رأى الأمير سلار -شريك بيبرس في الحكم -أن في ذلك مصلحة كبيرة للشيخ فوافق على إرساله إلى الاسكندرية لكي يضمن حماية الشيخ من كيدهم مع توفير جميع سبل الراحة له حيث وضع في مكان فسيح يتردد عليه فيه الناس وطلاب العلم حيث يعقد حلقات الدرس كما يخرج لحضور الجماعات ويعقد الدروس في المساجد ثم سمحوا بأن يلحقه أهله وتلامذته فالتف الناس حوله وأحبوه وانتفعوا به.

ويعلق ابن كثير على الفترة التي قضاها الشيخ ابن تيمية في الاسكندرية فقال: (أقام بثغر الاسكندرية ثمانية أشهر مقيما ببرج متسع مليح نظيف له شباكان أحدهما إلى جهة البحر والآخر إلى جهة المدينة وكان يدخل عليه من شاء ويتردد إليه الأكابر والأعيان والفقهاء وهو في أطيب عيش وأشرح صدر [7] . لم يكن الشيخ في حبس بمفهوم هذه الكلمة إذ أن وضعه بهذه الصورة كأنه نزيل دار ضيافة راعى فيها المضيف خاطر ضيفه فوفر له سبل الراحة وبالغ في إكرامه ولم يدع ممكنا في تهيئة جميع الظروف التي تساعده على العلم والبحث وإلقاء الدروس وكان ذلك من نعم الله سبحانه وتعالى على الشيخ لأن قصده نصرة الشريعة فنصره الله.

(1) كما استشهد بقول الشيخ الشاذلي وهو من أئمة الصوفية عن أتباع ابن عربي (هؤلاء كفار يعتقدون أن الصنعة هي الصانع) - الشرقاوي مقالة الأهرام ص13 بتاريخ 8/ 9/ 1982م.

(2) يقصد بها قلعة الجبل مقر السلطنة بمصر.

(3) ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص267. محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص66.

(4) ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص270، محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص66.

(5) ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص271، الشرقاوي: مقالة في الأهرام ص13 بتاريخ 8/ 9/ 82م.

(6) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص49. ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص198. محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص69.

(7) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص50. ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص277.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت