الصفحة 82 من 103

لم ينس أهل الشام كبيرهم وصغيرهم الشيخ ابن تيمية فهو وإن كان غائبا عنهم بجسده فهو بين قلوبهم يتحسسون أخباره ويدعون له بالنصر والتأييد على أعدائه. فحين أرسل ابن تيمية إلى أهله بالشام رسالة من السجن يخبرهم فيها بحاله وما أنعم الله عليه من نعم كثيرة سارع أمير الشام بطلب الرسالة ليطمئن على الشيشخ ويطمئن العامة [1] على أخباره. وحين بلغ ما أصاب الشيخ في مصر لأمير العرب عيسى بن مهنا -وهو يعرف لابن تيمية قدره وفضله- سارع بالمسير إلى مصر وكلم ذوي الأمر فيها بإخراج الشيخ وعقد مجلس مناظرة له حيث يقرر فيه أهل الحل والعقد مدى صحة الاتهامات الموجهة إليه فوافق الأمير سلار على ذلك فذهب أمير العرب بنفسه إلى الشيخ في السجن وأخبره بما تم عليه الأمر فوافق الشييخ على الخروج بهذه الطريقة الشريفة وأخبره بما تم عليه الأمر فوافق الشيخ على الخروج بهذه الطريقة الشريفة فما كان ليرضى بالخروج من السجن وهو مهضوم الحق رغم أنفه وإرضاء لخصومه فخرج حرا طليقا بعد حبس ثمانية عشر شهرا في سنة 707هـ [2] .

اعتذر خصومه القضاة عن الحضور بأعذار واهية بينما حضر كثير من العلماء والفقهاء لمناظرته ومناقشته فبهرهم ببيانه وحجته وبلاغ أدلته وكثرة علومه وقرروا تبرئته مما نسب إليه.

بعد خروج الشيخ معززا مكرما من السجن رغب أمير العرب -إمعانا في الحرص على سلامة الشيخ ابن تيمية- المسير به إلى الشام حيث أهله ومحبوه وأتباعه بينما انبهر الأمير سلار بعلوم ابن تيمية وقوة شخصيته فرغب في بقائه بمصر لكي يستفيد منه أهلها كما استفاد منه أهل الشام [3] وترك القرار النهائي لابن تيمية الذي رأى أن المصلحة تقتضي منه البقاء في مصر. فما هي هذه المصلحة التي رآها؟ أهي منصب ومال وجاه في دار السلطنة؟ ليس هذا من خلق ابن تيمية وهو الذي لم يتدنس بهدايا السلطنة إنما هي نشر الهداية بين الناس وإرشادهم إلى طريق الحق والصواب بعيدا عن تلبيسات أهل البدع والمنكرات [4] .

لم يكن الطريق ممهدا له لكسب قلوب العامة فقد سبقه حاقدوه بإساءة سمعته وترصد حركاته مع عدم معرفة أهل مصر بابن تيمية وبعلمه ومواهبه إلا أن الشيخ اتبع خطة يتجنب بها سخط العامة فكان يجذبهم إليه بإلقاء دروسه في المساجد وعلى المنابر في شرح آيات من القرآن الكريم وفي الوعظ، والإرشاد، بينما يقوم في المدارس الخاصة كالمدرسة الصالحية بعقد مجالس مناظرة يبين فيها آراءه بالحجة الواضحة والبرهان [5] .

رأى ابن تيمية في مصر بدعا جديدة فرأى للصوفية سلطانا قويا في مصر [6] وهم أتباع ابن عربي الذي ينادي بوحدة الوجود ووضع الولي فوق مرتبة النبي لأن بزعمه أن الوبي يأخذ عن الله بلا واسطة في حين يأخذها النبي بواسطة جبريل وكان أتباعه يرون أنهم إذا واصلوا إلى مرحلة الفناء في الله يرتفعون بها عن التكليف فنادى ابن تيمية بتكفيرهم ورماهم بالإلحاد والزندقة [7] .

(1) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص43، محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص58 - 59.

(2) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص45، البدري: الإسلام بين العلماء والحكام ص201، محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص60.

(3) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص45.

(4) محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص61.

(5) محمد أبو زهرة: المرجع السابق ص62.

(6) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص45.

(7) محمد الزين: منطق ابن تيمية ص312.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت