في سنة 705هـ نجح خصوم ابن تيمية في مصر بالدس ضده لدى الأمير بيبرس الجاشنكير [1] ، فأمر بحضوره على البريد إلى مصر [2] ، فسار إليهم الشيخ غير هياب ولا وجل كعادته في مواجهة الأمور والصعاب بنفس مطمئنة واثقة بالنصر الإلهي وهو يعلم ما يبيت له أعداؤه في مصر حيث كان أتباعه ومحبوه في الشام ولا يعرفه في مصر إلا القليل. إلا أنه يعلم أن الله تعالى لن يتخلى عنه وسيمنحه الكرامة لا المهانة، ورغم ما كان يتوقعه من شر فإنه رأى أن في ذهابه إلى مصر مصالح كثيرة [3] . فلم يكد ابن تيمية يحط رحاله مع أخويه في مصر حتى استدعى إلى مجلس عقد له في القلعة بتدبير من خصومه حضره كبار القضاة ورجال الدولة وواجهوه مباشرة بالاتهام وادعى عليه قاضي المالكية زين الدين بن مخلوف بأنه يقول: إن الله فوق العرش حقيقة وأن الله يتكلم بحرف وصوت فأخذ الشخ يستفتح كعادته بحمد الله والثناء عليه ليرد على هذا الادعاء فزجر وقيل له لا تخطب. اجب على الاتهام فعلم الشيخ أنها محاكمة اتهام لا محاكمة إثبات حق أو مجلس مناظرة. فسأل -ومن حقه ذلك- من الحاكم فيّ؟ فقيل لي: ابن مخلوف. فقال له ابن تيمية: كيف تحكم في وأنت خصمي؟ فغضب عليه ابن مخلوف وأمر بحبسه في الجب بدون الاستماع إلى مدى صحة نسبة هذا الكلام إلى ابن تيمية أو عدمه [4] .
كان أمر البلاد في تلك الفترة كما ذكرنا سابقا بيد الأمير بن سلار وبيبرس الجاشنكير يفعلان ما يحلوا لهما، وكان لابن مخلوف منزلة كبيرة لديهما فلا يرد له طلب وهو قاضي قضاة المالكية بمصر لذلك لم يكن من السهل إنصاف ابن تيمية منه كما أن عداوة بعض العلماء له كفيلة بأن تثير الاضطرابات والفوضى في البلاد إذا ترك ابن تيمية حرا طليقا، بالإضافة إلى أن كيد خصومه له كان شديدا بلغ إلى درجة إصابته بالأذى والضرب فكان لا بد من حمايته منهم مع توفير الجو الملائم له في القراءة والتأليف والاجتماع بالناس.
استمر الشيخ في الجب لمدة سنة وهو بمأمن من كيد أعدائه يتردد عليه تلامذته ومعه أخواه يقومان بخدمته إلى أن فكر الأمير سلار أن يخرجه منه فجمع القضاة الثلاثة الحنفي والمالكي والشافعي وشاورهم في إخراج الشيخ فوافقوه لما أراد بشروط منها رجوع الشيخ عن بعض ما أعلن في المسألة الحموية وغيره فرفض ابن تيمية هذه المساومة لعلمه برغبتهم في فرض الأمر عليه لا عن طريق المناظرة والاقتناع بالحجة والبرهان [5] فكان أمره كما قال سيدنا يوسف عليه السلام: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) الآية [6] .
(1) كان الأمير بيبرس في تلك الفترة بيده الحل والعقد في البلاد بعد تحكمه وتسلطه على السلطان الناصر محمد بن قلاوون.
(2) ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص196، ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص37.
(3) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص38، محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص55.
(4) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص10 - ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص197، البدري: الإسلام بين العلماء والحكام ص201، الجليند: الإمام ابن تيمية ص23.
ولعل السبب في قول ابن تيمية ذلك لابن مخلوف كما قال محمد أبو زهرة أن كل من ابن تيمية وابن مخلوف على طرفي نقيض في التفكير فابن مخلوف يتقيد بمذهب الأشعري ويرى ما عداه باطل. بينما ابن تيمية يرجع إلى الكتاب والسنة وعليه السلف الصالح. وقد يكون أيضا رفض ابن تيمية أن يكون ابن مخلوف حكما عليه ما هو معروف عن ابن مخلوف من قسوة وسرعة في إصدار الأحكام. كتاب ابن تيمية ص56: 57.
(5) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص43، محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص58.
(6) سورة يوسف: الآية 33.