الصفحة 80 من 103

سجن ابن تيمية

انتهى جهاد ابن تيمية في الميدان الحربي بعد أن نصره الله وثبته في المعارك التي خاضها ضد أعداء الإسلام ليبدأ مرحلة جديدة من الجهاد والصراع ضد البدع والمنكرات التي أثارت حسد وحقد البعض ضده فكادوا له حتى استطاعوا حبسه عدة مرات ويصور لنا موقفه هذا مصطفى عبد الرزاق حيث قال:"لم يكد يفرغ الشيخ من قتال النصيرية في بلادهم المنيعة حتى استدعى في نفس السنة إلى مصر وعقد له مجلس بحضور القضاة وأكابر الدولة ثم حبس في الجب بقلعة الجبل ومعه أخواه سنة ونصفا بسبب ما نسب إليه من التجسيم" [1] .

كان سبب تلك المحنة يعود إلى شخصية ابن تيمية وقوله للحق بدون خوف ولا وجل بالإضافة إلى تضلعه في كثير من العلوم ومجاهدته للبدع والخرافات إلى جانب حدته في البحث وسرعة الغضب في وجه خصمه إذ لم يستطع فهمه [2] . كل هذه الأمور ساعدت على تأليب الحاقدين عليه وإثارة حسدهم وغضبهم منه خاصة إذا علمنا أن بعض خصومه وحاسديه كانوا شيوخا له بينما لم يزل هو في الأربعين من عمره، لذلك قاموا عليه وما حجوه في بعض فتاويه التي عارضهم فيها، فزجوه في السجن عدة مرات، فسجن وأوذي وتألب عليه كثير من العلماء وحرضوا عليه العامة فآذوه [3] ، وكان موقف العامة مترددا بين حبهم للشيخ ابن تيمية وبين ما يذيعه خصومه ويشيعون عنه بعض الآراء التي تغضب العامة ولكن ثورة العامة لم تلبث أن تخمد إذا وقف الشيخ بينهم وشرح لهم وجهة نظره. فكان موقف ابن تيمية بين أعدائه وأنصاره في اضطراب، مما أدى بالسلطة أن تأمر بسجنه لإخماد تلك الفتن والمحافظة على حياة الشيخ، وفي نفس الوقت إرضاء خصومه الذين كانت لهم مكانتهم ووزنهم في الدولة.

-ابن تيمية في سجنه:

كان لاندلاع الفتن والاضطرابات في البلاد بسبب فتاوى ابن تيمية الجريئة التي مست الأعراف والتقاليد في تلك الفترة، وإن كانت غير مخالفة للشريعة الإسلامية، أن فكرت السلطة التي كانت ترى الحق في جانبه في حماية الشيخ من كيد خصومه وتسكين الفتن والاضطرابات كما ذكرنا، فتأمر بسجنه حيث تكرر حبسه خمس مرات، وإن كان في أغلبها حماية له أكثر منه انتقاما منه لفتاويه، لذلك نرى أنه يمكننا تقسيم سجن ابن تيمية إلى ما يأتي:

1 -سجن وقائي: وهو وضعه في حبس يليق به مع توفير سبل العناية والخدمة والاطلاع والتدريس له وإن لم يسمح له بالخروج من سجنه لكي يتحقق له الأمن والحماية اللازمة مع تأمين الجو الملائم له للتأليف والبحث.

2 -سجن تأديبي: وهو الذي كان في آخر حياته حيث مس ابن تيمية في فتواه بمنع شد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين اعتقاد العامة بل والسلطة بالنسبة لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كانوا يرون أنه لا ينبغي أن يتعرض أحد إلى منع زيارة الرسول عليه الصلاة والسلام، فاستغلها خصومه وألبوا عليه السلطان والعامة إلى أن تمكنوا من إثارة عواطف السلطان الذي أمر باضطهاده وسلب أوراقه وكتبه ومنعه من الاجتماع بالناس.

1 -السجن الوقائي:

(1) مصطفى عبد الرزاق: خمسة من أعلام الفكر الإسلامي ص114.

(2) محمد أبو زهرة: ابن تيمية ص53.

(3) وذلك حين تألب عليه جماعة في مصر وضربوه وآذوه. ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص286.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت