وصلت أنباء الانتصار إلى دمشق والقاهرة ففرح الناس بذلك واستبشروا وشكروا الله على هذه النعمة العظيمة وتساقطت دموعهم فرحا بذلك [1] فعملوا الزينات وخرجوا لاستقبال الجيش الإسلامي وابن تيمية وأصحابه وكان احتفالهم به كبيرا فالتفوا حوله فرحين بما يسر الله على يديه من نصر للإسلام والمسلمين [2] وقد كان لابن تيمية دور كبير في حماية المسلمين والعالم أجمع من التدفق المغولي إذ أن انهزامهم في هذه المعركة أوقف سيرهم وحد من نشاطهم في اكتساح العالم، وعرف العالم أن المسلمين قد حطموا قوة المغول الذين ارتعد الناس منهم ومن وحشيتهم التي وصلت إلى أطراف أوربا وفي ذلك يقول جيبون أن بعض سكان السويد قد سمعوا عن طريق روسيا نبأ ذلك الطوفان المغولي فلم يستطيعوا أن يخرجوا كعادتهم للصيد في سواحل انجلترا خوفا من المغول [3] .
-غزو الجرد والروافض:
واصل ابن تيمية جهاده ضد الكفرة فبانهزام التتر وكسر شوكتهم لم تزل هناك شوكة تؤرق الجسم الإسلامي في قمم جبال لبنان وسوريا حيث كان الروافض والجرد [4] والنصيرية قابعين بمأمن من المسلمين بعد أن أذاقوهم صنوف العذاب والتنكيل أثناء الغزو التتري لبلاد المسلمين فكانوا يعترضون سبيل الجيش الإسلامي بدلا من مساعدته كما يغيرون على القوافل الإسلامية فيأسرونهم ويبيعونهم للكفار [5] فأفتى ابن تيمية بوجوب محاربة هؤلاء وأنها جهاد في سبيل الله [6] وراسل سلطان المسلمين بوجوب محاربتهم وكف أذاهم عن المسلمين [7] ، وحث الناس على جهادهم إلى أن تجمع له جيش كبير خرج على رأسه في سنة 705هـ إلى بلادهم ثم تبعه نائب دمشق [8] بجيش آخر، حاصروا به بلادهم وقاتلوهم قتالا شديدا أظهر فيه الشيخ شجاعة يضرب بها المثل، وأفتى بجواز قطع شجرهم كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع يهود بني النضير وكانت خطة من ابن تيمية ليقضي بها على مقاومتهم بإتلاف ثمرهم فلا يستطيعون الصمود لفترة طويلة [9] .
وقتل كثير من الروافض وانتصر المسلمون ورجعوا سالمين غانمين [10] وكان فتحا عظيما لشدة حصانة تلك البلاد وصعوبة مسالكها لدرجة أن هولاكو عجز عن فتح بلادهم فقبض الله للمسلمين ببركة دعاء واشتراك ابن تيمية النصر عليهم.
خرج أهل دمشق جماعات لاستقبال الشيخ ابن تيمية وتهنئته بالنصر وقاموا بزيارته في منزله للسؤال عن كيفية حصاره للجبل وعن سير القتال إلى أن حقق الله لهم النصر عليهم [11] .
(1) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص125، المقريزي: السلوك، جـ1 ق3 ص936.
(2) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص25.
(3) الاستانبولي: ابن تيمية بطل الإصلاح الديني ص42.
(4) جماعة من البغاة كانوا يروعون المسلمين، وهم من سكان الجبال في بلاد الشام -ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص179.
(5) ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص187، مجموع فتاوى ابن تيمية جـ28 ص478.
(6) مجموع فتاوى ابن تيمية جـ28 ص468 - 501، ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص17.
(7) ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص179.
(8) هو جمال الدين اقوش الأخرم -ابن عبد الهادي: المرجع السابق، ص181 - 182.
(9) ابن عبد الهادي: المرجع السابق ص190 - 191.
(10) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص35، ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص179.
(11) ابن عبد الهادي: المرجع السابق ص180.