وفي هذه السنة كانت هذه الموقعة الحاسمة التي عرف فيها المسلمون أن الله سينصرهم على عدوهم كما تعودوا ذلك منه فدخلوا المعركة بقلوب واثقة بالنصر الإلهي الذي وعدهم به ابن تيمية فحين التقوا بعسكر التتر في مرج الصفر [1] قاتلوهم قتالا شديدا ألحقوا بقطلو شاه هزيمة منكرة لولا أن تداركه بولاي بنجدة استطاع بها أن يسترد أنفاسه [2] ويجمع فلوله ويضرب ميمنة جيش المسلمين فانهزمت وقتل كثير من الأمراء وولى الجند منهزمين [3] فضج الناس بالدعاء والبكاء والتضرع إلى العزيز القوي لنصر الإسلام والمسلمين [4] ، حينها وصل السلطان الناصر بعساكره وأمر بتقييد فرسه حتى لا يهرب من المعركة وبايع الله سبحانه وتعالى على بذل روحه في سبيل الله ومعه الخليفة العباسي [5] وأخذ الخليفة ينادي بأعلى صوته لاستثارة همم العساكر فقال: يا مجاهدون"لا تنظروا لسلطانكم قاتلوا عن حريمكم وعلى دين نبيكم صلى الله عليه وسلم" [6] ، وثبت المسلمون في المعركة ودار العلماء والفقهاء على العساكر يحرضونهم على الثبات والجهاد [7] وكان لابن تيمية دور كبير في تثبيت العساكر وتقويتهم فقد دار على الأجناد وأفتاهم بالفطر أثناء القتال لكي يتقووا على قتال التتر، وأفطر هو أيضا معهم مستدلا على ذلك بقول الرسول صلى الله عليه وسلم عام الفتح"إنكم ملاقو العدو غدا والفطر أقوى لكم" [8] . ثم وقف ابن تيمية موقف الموت وشارك في القتال وأظهر من ضروب الشجاعة ما يعجز عنه الأبطال فارتدى عدة القتال والتجأ إلى الله بالدعاء لنصرة الإسلام والمسلمين، ثم خاض بنفسه المعركة والتحم مع جيش المغول [9] مما كان له أثر كبير في نفسية الجنود فثبتوا في أرض المعركة إلى أن استطاعوا حصر التتر في سفح جبل هلك فيه كثير منهم عطشا فأرادوا الخروج إلى الماء فتركهم المسلمون إلى أن خرجوا ثم أطبقوا عليهم وقتلوا منهم الكثير [10] ، وكانت الهزيمة التي حلت بهم ساحقة فكان الصبيان والعامة يلعبون بالتتر ويقتلونهم ولا يستطيعون دفعا عن أنفسهم، وكان العربان يأخذونهم ويتركونهم في البرية إلى أن يموتوا عطشا ويصف لنا المقريزي حالة التتر بعد انهزامهم فقال: وقد كلت خيول التتر وضعفت نفوسهم وألقوا أسلحتهم واستسلموا للقتل والعساكر تقتلهم بغير مدافعة حتى أن أراذل العامة والغلمان قتلوا منهم خلقا كثيرا وغنموا عدة غنائم [11] .
(1) مرج الصفر: موضع بين دمشق والجولان وهو صحراء. ياقوت: معجم البلدان جـ3 ص413. والجولان: قرية وقيل جبل بنواحي دمشق. ياقوت: معجم البلدان جـ2 ص188.
(2) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص933، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ8 ص161.
(3) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص934، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ8 ص161.
(4) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص24. ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ8 ص161.
(5) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص933. ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص26.
(6) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص933، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ8 ص160.
(7) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ8 ص160، المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص933.
(8) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص26، الجليند: الإمام ابن تيمية ص18.
(9) ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص177 - 178.
(10) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص936، ابن تغرى بردي: النجوم الزاهرة جـ8 ص162 - 163.
(11) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص936.