الصفحة 75 من 103

ذكرنا من قبل فرار كثير من أهل الشام خوفا من التتر وتدارك ابن تيمية للوضع وحث الناس على الثبات ومنعهم عن الرحيل وأمرهم ببذل الأموال والأنفس في سبيل الدفاع عن البلاد [1] فبعد هدوء الأحوال نسبيا أخذ ابن تيمية يكثف جهوده ويزيد من نشاطه في مجالسه ودروسه في ثواب الجهاد وما أعده الله للمجاهدين من اجر وثواب عظيمين كذلك بين لهم ولمن سبق لهم الفرار عن البلاد أن رحمة الله واسعة لمن أراد الاستغفار والتوبة إذا صدقوا العزم والنية في هذه المرة لنصرة الإسلام ومجاهدة العدو فباب التوبة مفتوح لمن أراده [2] وقد فتح الله بابا من قبل المغرب عرضه أربعون سنة لا يغلقه حتى تطلع الشمس من قبله. فالتف الناس حوله ابن تيمية وأخذوا في الاستعداد وقد قويت نفوسهم ونياتهم لقتال التتر وتعاهد الأمراء والعامة على الثبات والمدافعة حتى الموت [3] ، علم ابن تيمية مدى تأثير الراحة النفسية للجيش الإسلامي، فخرج لجيش حماة المرابط في المرج لتقوية نفوسهم وإعلامهم بما اتفق عليه أهل الشام من نجدتهم ومعاونتهم وبشرهم وبين لهم ابن تيمية أنهم منصورون هذه المرة لا محالة فكان يقول له الأمراء قل إن شاء الله، فيقول:"إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا" [4] .

سار قازان بجيوشه وعبر الفرات وأراد محاصرة الرحبة والاستيلاء عليها فجرت بينه وبين صاحبها مفاوضات [5] انتهت بعودة قازان إلى العراق بعد ترك جيش قوامه ثمانون ألف مقاتل بقيادة نائبه على الشام فطلوشاه كما قام بمراسلة نائب دمشق يطلب منه الدخول في طاعته، وكانت خطة من غازان ليضرب المسلمين بعضهم ببعض إلا أنه فشل في ذلك فلم يجبه النائب لما يريد [6] .

بدأت المناوشات بين التتر والعسكر الشامي حين بعث فطلوشاه طائفة من عسكره بلغت حوالي أربعة آلاف مقاتل ليستطلع بها مدى قوة جيش المسلمين، فتصدى لهم عسكر حماة وأنزلوا بهم هزيمة ساحقة وغنموا منهم بعض الأسرى فكان ذلك بداية خير للعسكر الإسلامي [7] .

حين عاد التتر المنهزمون إلى قائدهم استطلع منهم عن أحوال العسكر الإسلامي فأخبروه عن تخلف عسكر مصر، فأراد قطلو شاه أن يستغل الفرصة ويعجل بضرب عسكر الشام قبل وصول أي إمدادات مصرية لهم [8] .

(1) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص14.

(2) ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص169.

(3) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص23.

(4) المصدر السابق، ص23.

(5) حيث لاطفه نائبها الأمير علم الدين سنجر الغنمي وقال له: هذا المكان قريب المأخذ والملك يقصد المدن الكبار فلا نمتنع عليك إن ملكت البلاد. المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص930.

(6) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص930، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ8 ص157.

(7) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص931، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ8 ص158.

(8) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص931.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت