كان لشخصية ابن تيمية الفذة وقدرته على استنفار الهمم ودفعها للجهاد أن انتدبه نائب الشام جمال الدين الأفرم وبقية أمراء الجيش الإسلامي لاستنفار أهل مصر للجهاد وحث السلطان على مساعدة أهل الشام فرحل من يومه وجد في المسير حتى وصل إلى السلطان واستحثه على تجهيز العساكر لنصرة مسلمي الشام وكلمه بلهجة شديدة حين رأى تقاعسهم وتخاذلهم عن المسير ولم يخش أميرا ولا سلطانا في قول الحق، فأنكر عليهم أخذهم أموال الشام والاستفادة منه ومن خيراته في وقت السلم وفي وقت الحرب يتخلون عنه ويخذلونه ثم أخذ يبين لهم أنهم ولو لم يكونوا سلاطين الشام، وحكامه وطلب منهم أهل الشام النصر لوجب عليهم نصرتهم فكيف وهم حكامه وسلاطينه؟ [1] ، مستشهدا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته". وما زال في أمثال هذا الكلام حتى شحذ الهمم واستثار حماسهم الديني فنادى السلطان بتجهيز العساكر والسير إلى الشام لطرد التتر منها. وفي حينها وصل الخبر إليهم بعودة غازان عن البلاد وهلاك معظم جنده [2] ، فيعلل ابن تيمية انصراف التتر هذا عن الشام فيقول: (لما ثبت الله قلوب المسلمين صرف العدو جزاء منه وبيانا أن النية الخالصة والهمة الصادقة ينصر الله بها وإن لم يقع الفعل وإن تباعدت الديار) [3] ، فحين صدق المسلمون في جهادهم وعزموا على رفع راية الإسلام صرف الله عنهم عدوهم.
حين رجع غازان عن الشام بعد موت أكثر جنده رغب في أن يعيد ماء وجهه ورد اعتباره فأرسل رسالة إلى سلطان مصر يتهدده فيها ويتوعده إن لم يبادر بطلب الصلح [4] مما أدى إلى رفض السلطان الناصر لصلح يتم بهذه الطريقة فأجابه على رسالته بأشد منها [5] ، وأخذ يستعد ليوم المعركة الفاصلة الذي أوشك أن تبدأ تباشيره فأعلن النفير العام في جميع أرجاء المملكة الإسلامية حيث كانت هناك مهمة جليلة تنتظر ابن تيمية ليكمل طريقه الذي بدأه في سبيل الدفاع عن الإسلام والمسلمين ورفع راية الجهاد عالية ضد من يريد ذل الإسلام والمسلمين.
(1) ابن كثير: البداية والنهاية جـ 14 ص15، الجلنيد: الإمام ابن تيمية ص19.
(2) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص16.
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية جـ28 ص463، ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص171.
(4) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص1015 - 1018، القلقشندي: صبح الأعشى جـ8 ص69 - 71.
(5) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص1018 - 1023، القلقشندي: صبح الأعشى جـ7 ص243 - 250.