قام ارجواش بخطوة جريئة فحين لاحظ انشغال التتر بتوديع فطلوا شاه نائب قازان أسرع بإرسال مجموعة من المسلمين عطلوا عمل المجانيق [1] وصحبوا معهم بعض المسلمين الذين كانوا مغلوبين على أمرهم لدى التتر ثم عادوا سريعا إلى القلعة سالمين [2] .
حين بلغ غازان أفعال جنده بالشام خاف من التعدي على بيوت الله فأرسل إليهم يأمرهم بترك الجوامع وصيانتها مع أوقافها لا يمسها أحد، أما ما عدا ذلك فلم يتعرض لهم غازان فيها بل تركهم يفعلون ما يشاؤون ثم أكمل مسيره للعراق بعد أن ترك ثوابه على بلاد الشام وفي نيته أن يعود إليها ليكمل فتح بقية البلاد والوصول إلى مصر [3] .
بعد رحيل غازان وجنده انفرد قبجق بأمر البلاد فعين الأمراء في الولايات وأساء السيرة في البلاد فقد أشاع المنكرات من خمارات ومواضع الزنا وغيره مما لا يقره الشرع فضمن هذه المنكرات وفرض عليهم دفع أموال له تقدر بألف درهم في اليوم لقاء هذه الأعمال وفي المقابل سلب الكثير من الأوقاف والمدارس [4] ، وهنا نتساءل كيف يريد المسلمون الانتصار على عدوهم وهذه المنكرات والموبقات في البلاد؟
لاقى أهل دمشق الأمرين من قبجق وحين بدأوا يتنفسون الصعداء بزوال كابوس التتر عنهم ما لبث أن عاد إليهم مرة أخرى، بزعامة بولاي حيث قاموا بسلب الأموال وسبي النساء والأطفال وتخريب البلاد ونشر الفساد، فساءت الأحوال أكثر من الأول واضطربت أمور البلاد وانتشر الغلاء حتى قال أحدهم:
رمتنا صروف الدهر حقا بسبعة ... فما أحد منا من السبع سالم ...
غلاء وغازان وغزو وغارة ... وغدر واغبان وغم ملازم [5]
لم يجد ابن تيمية بدا من وقف أعمال التتر هذه ضد مسلمي الشام ورفع هذا البلاء إلا بالذهاب إلى بولاي ومقابلته والتحدث معه بأفعال التتر هذه فذهب إليه وأقام عنده ثلاثة أيام استطاع فيها رحمه الله أن يستنفذ كثيرا من أسرى المسلمين بل ومن الذميين الذين كان بولاي قد سباهم وكان هذا من كريم خصال ابن تيمية، فإن بطش بولاي وقوته لم ترهبه كعادته في قول الحق وعدم الخوف من أي كان سوى الله سبحانه وتعالى [6] .
لم يقف ارجواش والمسلمون في القلعة موقف المتفرج إزاء انتهاكات التتر التي مارسوها ضد المسلمين فقد خرجوا من القلعة وأغاروا على التتر وألحقوا بهم الهزيمة ونكلوا بهم فقتلوا البعض وسبوا آخرين ثم عادوا إلى القلعة سالمين ولله الحمد [7] .
بعد انهزام التتر أمام ارجواش بلغهم نبأ خروج العسكر المصري لمحاربتهم واستنقاذ البلاد منهم فرأى التتر أن يعودا أدراجهم إلى بلادهم مكتفين بما غنموه من البلاد وتركوا البلاد لأمر قبجق الذي خرج بعد ذلك مع جماعة من كبار رؤساء وأعيان دمشق لاستقبال الجيش المصري [8] .
حين رأى ارجواش خلو البلد قام بحركة سريعة فسيطر على دمشق وخطب فيها للسلطان الناصر بعد أن يخطب فيها الغازان مائة يوم [9] .
(1) ابن خلدون: العبر جـ5 ص414، المقريزي: السلوك جـ1، ق3 ص900.
(2) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص90.
(3) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص9.
(4) المصدر السابق ص9، 10، المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص896.
(5) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ8 ص126، المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص894.
(6) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص10، المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص896، ابن خلدون: العبر جـ5 ص414.
(7) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص9، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ8 ص127 - 128.
(8) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص11، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ8 ص129.
(9) ابن كثير: البداية والنهاية جـ4 ص11، المقريزي: السلوك، ج1 ق3 ص900.