الصفحة 69 من 103

كان يساعد التتر في أفعالهم القبيحة هذه ضد المسلمين صاحب سيس والكرج والأرمن من النصارى فقد استغلوا هذه الفرصة ليكيدوا للمسلمين وينفسوا عن أنفسهم في عداوتهم للمسلمين فنال أهل الشام منهم أذى كثيرا [1] .

لم يكتف التتر ومن والاهم بالصالحية ورباط الحنابلة بل امتد أذاهم وخطرهم إلى مناطق أخرى مثل المزة [2] ، وقد نالها ما نال الصالحية ثم توجهوا بعد ذلك إلى درايا [3] فأسرع الناس إلى الجامع فتحصنوا داخله حتى لا ينالهم التتر بأذى وهم يظنون بأنهم سيكونون بمأمن منهم، إلا أن التتر لم يراعوا حرمة بيوت الله رغم ادعائهم الإسلام فاقتحموا المسجد وقتلوا كثيرا من الناس داخله وسبوا كثيرا من النساء والأولاد. فإنا لله وإنا إليه راجعون [4] .

ما أن سمع ابن تيمية بأفعال التتر وما أصاب الناس منهم حتى زاد يقينه بعدم صحة إسلامهم لأن المسلم لا يعامل أخاه المسلم بهذه المعاملة العدائية فتوجه مرة أخرى لمقابلة غازان والتحدث إليه بما يفعله جنده بالشام ومعرفة ما إذا كان يقر هذا العمل أم لا، فخرج بالفعل لمقابلة غازان ومكث يومين في معسكر غازان لمقابلته إلا أنه لم يتمكن من ذلك لأن وزيريه سعد الدين والرشيد المسلماني حجبوه عنه متعللين بكثر انشغاله ووعداه بأنهما سيخبراه بطلب ابن تيمية بوقف هذه الأعمال العدائية التي عللوها بأن كثيرا من التتر لم يحصل على أموال وسبايا لذلك يفعلون هذه الأفاعيل [5] بأهل دمشق وتناسى الوزيران، أنه لو كان التتر مسلمين حقا لما كان همهم الخروج بسبايا وأموال المسلمين فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) أو كما قال.

بعد أن التهم التتر المناطق المحيطة بدمشق جاء دورها لتذوق ألوان العذاب على أيديهم فقرر بعض أهل دمشق الفرار إلى خارج البلاد إلا أن التتر لم يمهلوهم إذ أسرعوا بدخول البلد وأعملوا فيها السيف فقتل الكثيرون كما قاموا بسلب ونهب المدينة وحصلوا على أكثر من آلاف فرس ثم فرضوا على أهل الأسواق والتجار أموالا كثيرة يقدمونها لهم [6] .

تقدم التتر بعد ذلك لمحاصرة قلعة دمشق فنصبوا لها عدة مجانيق وبالغوا في حصارها فقام نائب القلعة ارجواش بالدفاع عنها وابن تيمية يشد من أزره ويعينه في هذا العمل العظيم فأحرق كثيرا من المساكن المحيطة بالقلعة حتى لا يستغلها التتر لضرب القلعة والاستتار بها [7] وذلك لجعل المنطقة المحيطة بالقلعة منطقة مكشوفة مما يسهل عليهم رؤية تحرك التتار.

(1) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص8. ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص173.

(2) المزة قرية كبيرة غناء في وسط بساتين دمشق بينها وبين دمشق نصف فرسخ (ياقوت: المعجم جـ4 ص122) .

(3) داريا قرية كبيرة مشهورة من قرى دمشق الغوطة ينسب إليها كثيرين. ياقوت: المعجم جـ2 ص431.

(4) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص8.

(5) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص8. المقريزي: السلوك، جـ1 ق3 ص892.

والرشيد المسلماني كان أصله عطار يهودي تقدم بالطب وكانت له منزلة كبيرة عند غازان وحصل على أموال وأملاك كثيرة ثم تقلبت به الأحوال في عهد أبي سعيد سلطان المغول فاستولى على أمواله وحواصله وقتل في سنة 718هـ هو وابنه ابراهيم. ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص152.

(6) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص8. المقريزي: السلوك، جـ1 ق3 ص892 - 894.

(7) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص9، المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص893، ابن خلدون: العبر جـ5 ص414.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت