بعد انتصار التتر في موقعة وادي الخزندار وفرار الجيش الإسلامي من أمامه أكمل الجيش المصري الفرار إلى أن عاد إلى بلاده وتركوا بلاد الشام بدون مقاومة فخضعت لنفوذ التتر فأصدر غازان أوامره بتعيين قبجق نائبا عنه في بلاد الشام بعد أن صدر فرمان الأمان لهم حيث قرئ على الناس يوم الجمعة [1] وقام قبجق بنثر الذهب والفضة على الناس لكي يكسبهم إليه وإلى التتر ففرح الناس بذلك كثيرا وتوقعوا من فترة حكمه خيرا كثيرا [2] .
لم يف غازان بوعده بتأمين أهل دمشق إذ نجده ثاني يوم المناداة بالأمان قام التتر بالاستيلاء على الخيول والأموال والأسلحة المخبأة عندهم بل قام جيشه بإشاعة الفوضى والاضطراب خارج دمشق قتل على أثرها جماعة من المسلمين [3] .
هناك أخذ ابن تيمية يفكر مليا في أمر غازان وقصة إسلامه وهذه الأفاعيل التي تصدر من جيشه خرج منها بكون ذلك مكيدة من غازان لكي يخمد صوت المقاومة الإسلامية التي يمكن أن تقوم في وجهه فأراد ابن تيمية أن يتدارك الموقف قبل استفحاله فسارع وأرسل إلى ارجواش [4] نائب قلعة دمشق حيث كان قد تحصن بها بأن لا يسلمها لهم وأن يستميت في الدفاع عنها ولم لم يبق فيها إلا حجر واحد [5] .
بعد أن استتب الأمر لقبجق في دمشق أرسل إلى ارجواش يطلب منه التسليم فرفض ارجواش طلبه فأرسل إليه مجموعة من أعيان دمشق لكي يؤثروا عليه ليغيروا موقفه إلا أنه كان مصرا على عدم التسليم وكان ابن تيمية يشجعه على الثبات مما يدلنا على بعد نظر ابن تيمية وحنكته الحربية لأن الاستبسال في الدفاع عن القلعة سبكون له أثر كبير فيما بعد لاسترداد بقية بلاد الشام من يد التتر، بل نجده يقوم مع ارجواش بتحصين الدروب، والأسوار ووضع المقاتلة فيها تحسبا لأي هجوم على القلعة من قبل التتر [6] .
واصل التتر نقض الفرمان الذي أصدره غازان بتأمين الناس في أرواحهم وأموالهم وممتلكاتهم فقاموا بالسلب والنهب والتعرض للمسلمين فنهبوا الصالحية [7] وعددا من المساجد وأنزلوا في الناس النكبات قتلا وتشريدا وسلبا ونهبا [8] فهرب كثير منهم إلى رباط الحنابلة من شدة الخوف، فتبعهم التتر وحاصروا الرباط، ثم اقتحموا وسبوا كثيرا من الناس وبنات المشائخ وأولادهم، وأصيب الناس بأذى كثير على يد التتر، ابتداء بالأنفس والأموال وانتهاء بالمساكن والكتب حيث سرقوا الكتب وبيعت رغم أنه مكتوب عليها الوقفية، وبلغ عدد القتلى من الصالحية وحدها أربعمائة وعدد الأسرى حوالي أربعة آلاف [9] .
(1) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص890 - 891، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ8 ص125.
(2) ابن كثير: البداية والنهاية جـ4 ص7، المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص891.
(3) ابن خلدون: العبر جـ5ص414، المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص890.
(4) علم الدين ارجوا ش بن عبد الله المنصوري نائب قلعة دمشق كان ذا همة عالية وهيبة وشهامة قدر الله على يديه حفظ معقل المسلمين أثناء غزو التتار للشام توفى سنة 701هـ. ودفن بسفح قاسيون رحمه الله. ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص20.
(5) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص7، الجليند: الإمام ابن تيمية ص19.
(6) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص7، 8.
(7) قرية كبيرة ذات أسواق وجامع في غوطة دمشق فيها قبور جماعة من الصالحين. ياقوت: معجم البلدان جـ3 ص390، وقد سبق تعريفها.
(8) ابن خلدون: العبر جـ5 ص414.
(9) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص892، ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص8.