الصفحة 67 من 103

وكان الشيخ أثناء كلامه مع غازان يقرب منه ويخاطبه بصوت عال وغازان مصغي إليه بكليته رغم شدة لهجته فيسأل عنه ليتعرف عليه فأخبره المترجم بأنه رجل العلم والعمل وكان مما قال ابن تيمية لغازان معترضا على طريقته في معاملة المسلمين بالشام حيث قال له: أبوك وجدك كانا كافرين ولم يفعلوا ما فعلت فعاهدوا ووفوا وأنت عاهدت وما وفيت وأنت تدعي الإسلام وشهرت سيفك في وجه المسلمين [1] .

أراد غازان أن تناله بركة دعاء الشيخ ابن تيمية فطلب مه أن يدعي له فأجابه ابن تيمية إلى طلبه فقال (اللهم إن كان هذا عبدك محمود إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا وليكون الدين كله لك فانصره وأيده وملكه البلاد والعباد وإن كان إنما قام رياء وسمعة وطلبا للدنيا ولتكون كلمته هي العليا وليذل الإسلام وأهله فأخذله وزلزله ودمره واقطع دابره) [2] .

ورغم شدة هذا الدعاء إلا أن غازان كان يؤمن على دعائه ولم يفعل شيئا للشيخ لأن الله سبحانه وتعالى ألقى في قلبه محبته والهيبة منه، وما ذلك إلا لأن الشيخ قام بعمله لله ولم يخش سواه وبلغ من فرط محبة غازان للشيخ أن عرض عليه أن يعمر له حران بلد آبائه وأجداده وأن ينتقل إليها الشيخ وتكون تحت يده إلا أن ابن تيمية رفض هذا الموضوع ولم يرغب به عن دمشق [3] ، ثم قام المغول بتقريب طعام إلى وفد دمشق فأكل الجميع ما عدا ابن تيمية حيث لم يرض أن يطعمه وحين سأل عن سبب عدم أكله من الطعام قال: كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس [4] .

حين انتهت مهمة الوفد قرر العودة إلى دمشق خاصة وأن الله بلغ ابن تيمية ما أراد فحقن دماء المسلمين وخلص كثيرا من الأسرى من يد غازان وردهم إلى أهاليهم.

اعترض بعض العلماء المصاحبين لابن تيمية في طريقته في مخاطبة غازان خوفا من بطش غازان وشعبه وقالوا: كدت تهلكنا معك. فرفضوا مصاحبته في طريق العودة واختاروا طريقا آخر غير طريقه. فخرج ابن تيمية مع مجموعة من أصحابه فتسامع بعض أفراد التتر وبطانتهم به فصحبوه إلى أن أوصلوه إلى قرب دمشق تبركا بدعائه [5] وقال الشيخ البالسي [6] وكان من ضمن الوفد: (والله ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلثمائة فارس في ركابه ... أما أولئك الذين أبوا أن يصحبوه فقد خرج عليهم جماعة من التتر فشلحوهم عن آخرهم [7] . وكان هذا من نعم الله تعالى على ابن تيمية لأنه نصر دينه ولم يخشى غازان ولم يداهنه ليصل إلى ما يريد. وقد كان يقول رحمه الله(لآ يخشى رجل غير الله إلا لمرض في قلبه) .

فطبق هذا القول على نفسه ولم يخش إلا الله سبحانه وتعالى فكان مثل العالم العامل الذي يشعر أن الله مراقبه في قوله وعمله كيف لا وهو أعرف الناس بقول سيد الخلق:"ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"أو كما قال.

(1) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص89، الجليند: الإمام ابن تيمية ص19.

(2) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص89، محمد بهجة البيطار: حياة شيخ الإسلام ص13، 14.

(3) البزار: الأعلام العلية ص65.

(4) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص89.

(5) المصدر السابق ص89.

(6) الشيخ الصالح العابد الناسك أبو عبد الله محمد بن عمر بن أبي بكر البالسي ولد سنة 650هـ كان شيخا جليلا كثير الوقار عليه سيما العبادة والخير توفى سنة 718هـ. ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص89 - 90.

(7) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت