وكان سبب ذلك هو البعد عن شرع الله حيث أن المسلمين ضعفت صلتهم بالله وضعفت العقيدة الإسلامية في نفوسهم فحل بهم هذا البلاء، وأخذ كل منهم يكيد للآخر بدلا من اتحادهم ضد عدوهم وصور الخيانة منتشرة بينهم في سبيل الرياسة والوصول إليها مثل انضمام قبجق وبعض الأمراء إلى صفوف غازان ضد السلطان بمصر، ومثل تحاسد الأمراء المماليك فيما بينهم من أجل الوصول للسلطة حتى في أثناء سير الجيش الإسلامي لمحاربة التتر [1] .
وصلت الأخبار لأهل دمشق بقرب وصول التتر إليهم فخافوا خوفا عظيما وتوقعوا شرا كبيرا فأصبح كل واحد في شغل شاغل عن صاحبه بل وحتى عن أهل بيته [2] ، إلى أن وردهم قصة إسلام غازان المزيف وأنه لم يتعرض للمسلمين بسوء ولم يتعقب فلولهم المنهزمة، فاستكانوا واطمأنوا بعد خوف وكانت هذه مكيدة من التتر حتى تكون هناك أمامهم مقاومة من المسلمين إذ بالفعل ما أن علم الناس بإسلامهم حتى سكنوا وتوقعوا خيرا تحت ظل حكمهم فما داموا مسلمين فسيان عندهم أن يبقوا تحت تحكم المماليك أو المغول بل نجدهم حين رأوا نائب قلعة دمشق يتحصن بها ويرفض تسليمها يراسلوه عدة مرات للصلح مع التتر وفتح أبواب القلعة لهم. بل أكثر من ذلك قرروا إرسال وقد من كبار علماء ورجال مدينة دمشق لطلب الأمان أهلها [3] .
-دور ابن تيمية في مجاهدة التتر بعد الموقعة:
تكون على عجل مجلس من كبار العلماء والفقهاء للمسير إلى غازان يطلب الأمان فخرج العلماء وكان منهم قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة [4] والشيخ زين الدين الفارقي [5] والشيخ تقي الدين ابن تيمية وقاضي قضاة الشافعية نجم الدين صصري [6] وغيرهم من العلماء والقراء وعند النبك [7] ، حيث كان غازان معسكرا هناك تمت المقابلة مع العلماء [8] والقراء وطلب ابن تيمية الأمان لأهل دمشق فأعطاه غازان وعدا بالأمان بعد أن تكلم معه الشيخ كلاما شديدا موضحا له فيه العدل والإحسان في المعاملة مستشهدا بذلك بآيات من القرآن الكريم وأحاديث من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل قوله تعالى:"اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" [9] .
(1) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص883، 884.
(2) ابن خلدون: العبر جـ5 ص413، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ7 ص122.
(3) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص888، 889، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ8 ص123، ابن خلدون: العبر جـ5 ص413.
(4) بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة الحموي الشافعي ولد سنة 639هـ كان إماما عالما مصنفا أخذ النحو عن ابن مالك أفتى وعرض فتواه على محي الدين النووي فاستحسن ما جاء به ولي قضاء القدس والخطابة فيها ثم نقل إلى قضاء مصر. توفى 733هـ. ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ9 ص298.
(5) سبق تقديم ترجمته.
(6) أبو العباس أحمد بن عماد الدين بن محمد بن أمين الدين بن هبة الله بن صصري الشافعي قاضي قضاة الشام ولد سنة 655هـ سمع الحديث وكتب عن القاضي شمس الدين بن خلكان وفيات الأعيان، وسمعها عليه. تفقه على الشيخ تاج الدين القزاري. توفى سنة 723هـ. ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص106.
(7) النبك: قرية بين حمص ودمشق. ياقوت: معجم البلدان، جـ5 ص258.
(8) المفريزي: السلوك، جـ1 ق3 ص889، ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص7، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ـ8 ص123.
(9) سورة المائدة آية 8.