الصفحة 65 من 103

رأى المسلمون ما حل بالميمنة فقامت الميسرة بشن حملات قوية ومركزة على ميمنة غازان ففرقت شملها وهزمتها عن آخرها وقتلت منها حوالي خمسة آلاف جندي أو أكثر بينما لم يقتل من المسلمين إلا القليل [1] . ثم عاد غازان وجمع فلول جيشه وهاجم المسلمين هجوما قويا مركزا أدى لاضطراب صفوفهم وانهزام العسكر الإسلامي إلى دمشق [2] ، فأخذ التتر في تجميع الغنائم مما لا حصر له إذ أن الجيش الإسلامي حين ولى هاربا ترك جميع أثقاله وعدده وسلاحه ملقى على الأرض كما أن الجند رموا خوذهم عن رؤوسهم وسلاحهم تخفيفا عن الخيل لكي تنجيهم بأنفسهم. ويصور لنا ابن تغري بردي أرض المعركة بعد فرار المسلمين منها فقال (وتركوا جميع الأثقال ملقاة فبقيت العدد والسلاح والغنائم والأثقال ملأت تلك الأراضي حتى بقية الرماح في الطرق كأنها القصب) [3] .

انتهت المعركة بمقتل كثير من أمراء المماليك ونحو ألف من الجنود إذ أن غالبية الجيش الإسلامي قد فر من المعركة كما ذكرنا، أما من المغول فقد قتل منهم نحو أربعة عشر ألفا [4] .

أما غازان فقد نزل حمص بعد أن كف عن مطاردة جيش المسلمين وغنم مخلفاتهم وكثيرا من الأموال والنفائس السلطانية التي كانت بخزانة حمص بالإضافة إلى من وقع بأيديهم من الأسرى. وعلى العموم فقد خرج التتر من هذه الموقعة بالغنائم والأرض [5] .

أسباب انهزام الجيش الإسلامي:

لقد تضافرت عدة أسباب في انهزام المسلمين في هذه الموقعة أهمها:

1 -إشاعة إسلام غازان وجيشه مما جعل كثيرا من عسكر المسلمين يلقي سلاحه ويمسك عن محاربة التتر [6] لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) .

2 -استهتار المسلمين بالتتر لأنهم هزموهم في عدة مواقع سابقة بعد عين جالوت.

2 -فساد النيات وانضمام بعض الأمراء المسلمين إلى غازان أمثال قبجق وغيره.

حالة البلاد بعد هزيمة المسلمين في وادي الخازندار:

حين بلغ أهل دمشق ما حل بعسكر المسلمين في وادي الخزندار خافوا خوفا شديدا من التتر لما كان قد بلغهم من شدة قسوتهم وتنكيلهم بأصحاب البلاد المفتوحة، فلم يكونوا يتركون لا أخضر ولا يابسا فترك كثير من الناس أموالهم وممتلكاتهم وهربوا نجاة بأنفسهم إلى مصر والحجاز وكان لهول الموقف أن خرجت النساء سافرات لا يعرفن أين يذهبن مع أطفالهن [7] .

فعظم ضجيجهن وبكاؤهن وتزاحمهن مع الرجال على الأبواب للخروج فمات الكثير منهم على الأبواب [8] .

كان لهذا الوضع المضطرب في البلد أن فقد الحكام القدرة على السيطرة على البلاد فكسر العابثون أبواب السجون وخرج منها المفسدون فعاثوا في الأرض فسادا فسرقوا ونهبوا وانتشرت الفوضى في كل مكان حتى -أصبح المسلم لا يأمن على نفسه وأهله وماله [9] . ونحن نلاحظ دوما أن في وقت الأزمات والاضطرابات التي تحل بالبلاد تنتشر الفوضى وينعدم الأمن ويفقد الحكام القدرة على السيطرة على البلاد.

(1) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ 8 ص122، المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص887.

(2) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص887، 888، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ8 ص122.

(3) ابن تغري بردي: النجوم جـ8 ص122.

(4) المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص888.

(5) المصدر السابق ص888: 889.

(6) مجموع فتاوى ابن تيمية جـ28 ص431.

(7) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ8 ص122.

(8) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص7، المقريزي: السلوك، جـ1 ق3 ص889.

(9) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص7، ابن خلدون: العبر، جـ5 ص413.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت