كانت المهمة الملقاة على عاتق ابن تيمية مهمة عظيمة وجليلة وكان ابن تيمية بما وهبه الله من قدرات قادرا على حمل أعبائها والقيام بها على أكمل وجه فقد كانت الأمة الإسلامية إلى جانب انتشار المعاصي والموبقات بها كانت في نفس الوقت تتعرض لهجمات شرسة من داخل الدولة وخارجها تهدف إلى تقويض أركان الأمة الإسلامية بينما نجد أن المسلمين في سبات عميق لا يدركون ما هم فيه، لذلك كان لا بد أن يقوم رجل بهزها هزات عنيفة لكي تستيقظ قبل فوات الأوان فكان ذلك الرجل هو ابن تيمية الذي رأى الطوائف التي تدعي أنها تدين بالإسلام وهي ليست منه أمثال النصيرية والروافض وسكان الجبال ممن يغيرون على المسلمين ويسلبونهم ويبيعونهم للكفار ومساعدتهم للتتر وشماتتهم بالمسلمين، كما رأى الخطر المغولي الذي يدعي الإسلام والإسلام منه بريء يزحف كالموج الكاسح بدون أن يجد أمامه أحدا يصده لذلك قرر أن يتصدى لهذين الخطرين معا ويعمل على تهيئة نفوس المسلمين لمجاهدة هؤلاء بعد هزيمة المسلمين في وادي الخازندار مع تبيين عدم صحة إسلامهم وادعائهم له ليتخذوه وسيلة لخداع المسلمين وتثبيط عزائمهم لذلك كان عليه أن يبدأ مع المسلمين من نقطة الصفر فقام بتوعية الناس بوجوب رفع راية الجهاد في سبيل الله فقام بعقد جلسات عدة مبينا فضل الجهاد في سبيل الله [1] وإن جهادا ورباطا في سبيل الله خير من ألف صلاة، كما استشهد بالآيات القرآنية وبما أعده الله من الجزاء الكبير لهم إن خرجوا من ديارهم لنصرة دينه وإعلاء كلمته [2] فالتف الناس حول القائد المربي وأخذ يدب فيهم الحماس لرفع لواء الجهاد، وحين تهيأت نفوس المسلمين للجهاد أخذ ابن تيمية ينتقل من طور الناحية النظرية إلى الحالة العملية فقام بنفسه بالتدريب وتدريب المسلمين على حمل السلاح وركوب الخيل وعلم الفقهاء حرب السهام والمقاتلة استعدادا ليوم المعركة المرتقب [3] فكان لمشاركته الفعلية أثر كبير في تدفق الناس لشراء السلاح والتدريب عليه كما قام بعد ذلك بالدوران على الأسوار بين المجاهدين لتثقيفهم ومشاركتهم في رباطهم في سبيل الله [4] مذكرا إياهم بما أعده الله لهم من أجر كبير مع ملازمته لعقد حلقات في المساجد لتثبيت الناس وحضهم على القتال والإنفاق في سبيل الله بالمال والأنفس [5] .
لم يكتفي ابن تيمية بحلقات المساجد والدوران على المجاهدين بل كان يخرج بنفسه إلى خارج البلد لكي يمتد نشاطه إلى أولئك الذين خرجوا لمقاتلة التتر فيمكث عندهم عدة أيام غير هياب ولا وجل وهو الرجل الشجاع في كل موطن فسبتهم وقوى جأشهم وطيب قلوبهم وخواطرهم ووعدهم بالنصر والظفر على أعداء الله مستدلا بقوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) [6] .
فلم يهرب من أرض المعركة حين استدعى الأمر وجوده، حيث كان على العكس على رأس القائمين باستثارة الهمم والعزائم لمجاهدة المشركين وكان رحمه الله سريع الحركة إذا استدعى الأمر منه الرحيل بأقصى سرعة لاستثارة همم سلطان مصر لمحاربة التتر فرحل مسرعا وأدى المهمة على أكمل وجه [7] .
(1) ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص352.
(2) ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص120 - 175.
(3) أنور الجندي: نوابغ الفكر الإسلامي ص323 - 355.
(4) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص11، أنور الجندي: نوابغ الفكر الإسلامي ص323.
(5) أنور الجندي: نوابغ الفكر الإسلامي ص323.
(6) سورة الحج آية 60.
(7) ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص171، عبد السلام حافظ ابن تيمية ص25.