الصفحة 58 من 103

وقد كان لأعمال ابن تيمية تلك تأثير كبير على الأمة الإسلامية فإن كان لم يستطع أن يزيل كل آثار هذه البدع والضلالات إلا أنه رفع راية أبطالها فأخذ المسلمون يعتنون بأمور دينهم ويميزون بين السقيم والصحيح خاصة إذا علمنا مدى تأثير هذه المعاصي والقائمين بها لو تركوا على ما هم عليه من إصابة الأمة الإسلامية كلها بهذه الأدواء، كما كان ابن تيمية نبراسا لمن جاء بعده من دعاة الإصلاح [1] ، ونلاحظ أن إنكار ابن تيمية للبدع وإزالته للمنكرات بيده بدون إذن ولي الأمر كان في فترة الشباب والحماس وفي الوقت الذي سادت فيه الاضطرابات في الأمة الإسلامية نتيجة لغارات المغول وخروج كثير من المخربين من السجون حيث عاشوا في الأرض فسادا فلم تكن هناك سلطة ضابطة دائمة نتيجة لتلك الأوضاع المضطربة فقام ابن تيمية بنفسه لإزالة المنكرات وإقامة الحدود من تعزير وجلد وحبس وغيره، أما بعد استتاب الأمن في البلاد أي بعد حوالي سنة 705هـ حيث كانت فيها المعركة التي قطع فيها دابر الكسروانيين والروافض فقد رأى ابن تيمية أن دوره في إزالة المنكر بدون إذن من ولي الأمر أمر مرفوض شرعا وجهل منه بحقوق الراعي، فذكر أن ما كان يفعله خطأ منهو هو يرجع عنه ويستغفر الله سبحانه وتعالى من ذنبه لأنه تعدى على حقوق ولي الأمر فقال (أما ما كنا نقوم به منذ عشرين عاما فهو غلط سببه نقص العالم وقد أوقعتنا فيه الغيرة على السنة وحمية الشباب وشدته والجهل بما للراعي على الرعية من حقوق فعفا الله عما سلف ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) [2] . وهو يرى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجب على كل أحد بعينه بل هو على الكفاية [3] .

وهنا نلاحظ أن اعتراف ابن تيمية بخطئه لم يكن لينقص من قدره فالاعتراف بالحق فضيلة إنما يزيده هذا الأمر رفعة ومكانة لنزاهته ونشدانه للحق والعدل وإعلانه وإن كان على حساب سمعته.

إلا أننا نتساءل حول هذا الموضوع فهل كان ابن تيمية يقصد منع العلماء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ولو لم يقم ولي الأمر بهذا العمل، فيتركون واجبهم الذي فرضه الله عليهم حيث قال عز وجل"وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ .. [4] "الآية. فينتشر المنكر في المجتمع الإسلامي بدون رادع أو وازع بحجة أن هذا الأمر من اختصاصات ولي الأمر؟

أم إن الهدف الذي كان يقصده ابن تيمية من الرجوع عن رأيه هو أن ولي الأمر إذا كان ممن يقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ففي هذه الحالة لا ينبغي للعلماء أن يتولوا هذا الأمر بأنفسهم.

أما إذا كان ولي الأمر لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ففي هذه الحالة يجب على العلماء أن يقوموا بالدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالوسائل التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) .

ب- جهاده بالسيف:

(1) أمثال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وغيره.

(2) عبدالرحمن الشرقاوي: الأهرام مقالة ص13: 18/ 8/ 82م. سورة البقرة من آية 286.

(3) ابن تيمية: الحسبة في الإسلام ص61. وهو يقول في ص62: وليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر.

(4) سورة آل عمران، آية 104.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت