الصفحة 57 من 103

حين قام بنفسه بمحاربة البدع والخرافات والمعاصي والموبقات المتفشية في جسم الدولة الإسلامية في محاولة منه لإرجاع المسلمين إلى الكتاب والسنة والدفاع عن الإسلام وبذل أرواحهم في سبيل الله لأن تفشي المعاصي والموبقات دليل على هوان الأمة وتكاسلها وتخاذلها وبعدها عن شريعة الله فكيف والحال كذلك تبغي النصر على أعداء الله وقد كان لأوضاع الدولة الإسلامية في ذلك الوقت -نتيجة لغارات المغول على الشام وكيد أعداء الأمة في داخل الدولة- أن انتشرت كثير من البدع والضلالات أخذت تنخر في جسم الأمة فكان أن هب ابن تيمية بنفسه لإيقاف التيار ومحاولة إصلاح ما فسد فقام مع تلامذته بعملية تمشيط للبلاد دار فيها على الخمارات والحانات وأماكن الرذيلة وأزال آثارها وعزر من وجده فيها [1] . كما قضى ابن تيمية على آفة كبيرة كادت أن تهلك الأمة الإسلامية، فقد كان البعض يتوجه إلى صخرة بظاهر دمشق يتبركون بها وينذرون لها النذر فقطع الصخرة وأزالها فأراح المسلمين من شرها وشركها [2] .

رأى ابن تيمية أقوامًا ضالين مضلين يهدفون إلى إبعاد المسلمين عن دينهم بطرق متعددة بحجة عبادته حق العبادة فبين بعد هؤلاء عن أساس العقيدة الإسلامية وأن أفعالهم هذه أباطيل لا أساس لها من الصحة فقام بتعزير أحد الفقراء يدعى الدين وهو متسخ الثياب طويل الشعر والأظافر مسبل الشارب مخالفا بذلك السنة الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق ابن تيمية رأسه وقلم أظافره وحف شاربه ومنعه من أكل الحشيشة وما يغير العقل [3] .

وكان لحالة الاضطراب في الدولة الإسلامية أن أخذ المشعوذون، والمضلون ينتشرون بصورة كبيرة ويلاقون استعداد كبيرًا من العامة لبعدهم عن شرع الله كما كثر تشبه الصبيان بالنساء فكان لا بد لابن تيمية من أن يتصدى لهؤلاء ويضرب على أيديهم بيد من حديد فقام بحلق رؤوس الصبيان وتعزيرهم [4] لكي يقضي على هذه البدعة كما قام بإحضار شيخ يدعى تفسير الأحلام ويتناول المحرمات فاستتابه الشيخ عن هذه الأفعال [5] .

كما انتشرت في عهده الزندقة فعمل على إزالتها فأحضر شيخا اشتهر بإهانته لكتاب الله وبالإسلام فاستتابه ونصحه إلا أنه لم يقبل ذلك فكان أن نفذ فيه حكم الحاكم بالقتل ليكون رادعا لأمثاله وتنبيها للمسلمين من هذه الأفعال ومدى بعدها عن الإسلام [6] .

وقد كان للصوفية أثر كبير على عقول الناس فكان ابن تيمية رحمه الله يقف لهم المرصاد ويكشف أحوالهم وكلما أرادوا أن يخدعوا العامة بحيلهم أفسدها عليهم وفضحهم وأعلن سرائرهم بمساعدتهم للكفار من التتر وغيرهم ضد المسلمين فاجتمعوا لدى نائب الشام وشكوا إليه كثرة تعرض ابن تيمية لهم وطلبوا أن يدعهم وحالهم وكعادتهم أرادوا خداع النائب والحاضرين بحيلهم المعروفة إلا أن ابن تيمية كشف حالهم حين أرادوا الدخول في النار لكي يدللوا على أنهم من أولياء الله فقال لهم ابن تيمية من أراد الدخول في النار فليغتسل بالماء والخل ثم يدخل النار ولو خرج سليما فلا يدل ذلك على ولايته إنما هي أحوال شيطانية فقالوا له بعد أن كشف طريقهم: إنما تتفق أحوالنا عند التتر لا عند هؤلاء فكشفوا بذلك عن خبيئة أنفسهم وكشفهم لعورات المسلمين فاستتابهم النائب ورجع بعضهم عما كان فيه [7] .

(1) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص11، عبد السلام حافظ: ابن تيمية ص27.

(2) ابن كثير: البداية والنهاية جـ 14 ص34، عبد السلام حافظ: ابن تيمية ص27.

(3) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص34.

(4) المصدر السابق ص19.

(5) المصدر السابق ص34.

(6) المصدر السابق ص122: 123.

(7) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص36، ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص194 - 195.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت