كان في إمكانه أن يبقى بمصر بعيدا عن المعارك بعد أن أدى مهمته مع سلطان مصر، ولكننا نجده يعود على جناح السرعة لتطمين جيش الشام بقرب وصول إمدادات السلطان لهم ليرفع بذلك من معنوياتهم ثم قام بمشاركة العسكر في رباطهم استعدادا ليوم المعركة الفاصلة حيث كان همه الجهاد والاستشهاد في سبيل الله.
ومن قبل ذلك حين قام في سنة 90هـ بالاشتراك مع الجيش المسلم لقتال الفرنجة في عكا حيث أظهر في هذه المعركة من ضروب الشجاعة ما يعجز عنه الأبطال [1] فحمل لواء الجهاد ضد الكفرة فكانت هذه المعركة بداية للشيخ في التمرس في القتال استعدادا لخوضها من جديد ضد التتر في سنة 699هـ وقد أظهر الشيخ في هذه المعركة حنكة وسياسة في فتح المدينة [2] ، وفي ذلك يقول البزار (ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله ومشورته وحسن نظره) [3] .
وحين لاحت بوادر قرب وقوع المعركة الفاصلة بين المسلمين والتتر بدأ التخاذل في صفوف المسلمين في مدى مشروعية مقاتلة هؤلاء ومن أي جنس هو فهم ليسوا بغاة على الإمام فلم يكونوا يوما في طاعته فسارع ابن تيمية لتوضيح هذه المسألة خاصة وأن كثيرا من العلماء تحيروا إزاء هذا الموقف فالتتر أعلنوا إسلامهم وأقاموا بعض شعائر الإسلام في بدلاهم فانبرى ابن تيمية بتوضيح هذه المسألة مستشهدا بسيرة التتر بعد موقعة وادي الخازندار في أهالي الشام ففي سنة 699هـ وبعد إعطائهم الأمان لأهل دمشق رآهم يسبون ذراري المسلمين حيث أسروا أكثر من مائة ألف مسلم وفعلوا بالصالحية ونابلس وداريا وبيت المقدس مثل ذلك كما فجروا بنساء المسلمين في المساجد كالمسجد الأموي وغيره من المساجد وهذه أفعال لا تصدر من مسلمين مؤمنين بالله بالإضافة إلى أنهم قاموا بهدم بعض المساجد وإزالة آثارها [4] .
ثم نظر إلى عسكر التتر الذي يدعون الإسلام فوجد أنهم لا يصلون ولم يصاحبهم مؤذنون ولا إمام بل كان رجال دولة غازان من شرار خلق الله فكانوا بين كافر أو منافق أو زنديق لأن من لا يعتقدون الإسلام في الباطن إنما هم روافض وجهمية واتحادية. ولأنهم تاركوا الصلاة والصيام ولم يبالوا بالحج رغم قدرتهم عليه [5] .
ثم بحث ابن تيمية في أصل خروج التتر لمحاربة المسلمين فوجد أن قتالهم للملك على سيرة ملكهم جنكيزخان وليس لرفع راية الإسلام وأن من أطاعهم قربوه وأدنوه منهم ومن عصاهم عادوه ولو كان من خيار المسلمين ثم رأى أنهم لا يعظمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يساوون بينه وبين ملكهم الكافر جنكيزخان ولم يكتفوا بذلك بل رجحوا دين اليهود والنصارى على دين الإسلام واستشهد ابن تيمية بفعلهم هذا على إثبات كفرهم وخروجهم عن ملة الإسلام خاصة وقد أظهروا الرفض ومنعوا ذكر الخلفاء الراشدين على المنابر وقربوا إليهم القرامطة والملاحدة والزنادقة وحكموهم في رقاب المسلمين فجعلوا منهم قضاة ووزراء ليوافقوهم في أحكامهم ومعاملاتهم مع التظاهر بإقامتهم لشرع الإسلام ليخدعوا المسلمين بإسلامهم المزيف فأقاموا الجمع والصلوات في المساجد ولم يمنعوا المسلمين من أدائها [6] .
(1) البزار: الأعلام العلية ص63، أنور الجندي: نوابع الفكر الإسلامي ص323.
(2) يقصد بها مدينة عكا.
(3) البزار: الأعلام العلية ص63 - 64.
(4) مجموع فتاوى ابن تيمية جـ28 ص520 - 521.
(5) المصدر السابق ص521.
(6) مجموع فتاوى ابن تيمية جـ28، ص522: 527.