عاود التتر جمع فلولهم المتبقية وحشدوها لمحاربة المسلمين لإعادة ماء وجههم بعد عين جالوت، فالتقوا مع المسلمين بظاهر حمص ولم ينفعهم حشودهم فقد أنزل الله تعالى سكينته على المسلمين وأيدهم بنصره رغم قلتهم، فقد كان عدة التتر ستة آلاف وعدة المسلمين ألف وأربعمائة، حيث ولى التتر منهزمين وتبعهم المسلمون قتلا وأسرا [1] .
كان لحالة العداء المستحكم بين دولة المماليك في مصر ودولة المغول في العراق أن نشأت علاقات ودية بين السلطان الظاهر بيبرس وبركة خان [2] سلطان مغول القبيلة الذهبية [3] الذي أعلن إسلامه فتبادلوا الرسائل الودية والهدايا، كما قام السلطان بيبرس بتكريم بعض رعايا بركه خان حين التجأوا إليه فرارا من هولاكو لحالة العداء التي كانت مستحكمة بين ملكهم وهولاكو [4] كما قال بإرسال وفود التهنئة إلى بركه خان بعد انتصاره على هولاكو [5] مما يبين لنا مدى فرحه بانهزام هولاكو لأن في هذا إضعافا له وكسرا لشوكته.
بعد وفاة هولاكو قام أبغا بإرسال الرسل إلى السلطان الظاهر برسالة خطية وأخرى شفهية وجاء في الأخيرة:"أنت مملوك بعت بسيواس فكيف يصلح لك أن تخالف ملوك الأرض، واعلم أنك لو صعدت إلى السماء، أو هبطت إلى الأرض ما تخلصت مني، فاعمل لنفسك على مصالحة السلطان ابغا، فلم يلقى السلطان الظاهر بالا إلى هذا الازدراء والتهديد من ابغا فقال لرسله اعلموه أني من ورائه بالمطالبة ولا أزال على ذلك حتى أنتزع منه جميع البلاد التي استحوذ عليها من بلاد الخليفة وسائر أقطار الأرض [6] ."
في سنة 679هـ جهز المغول جيوشهم للسير إلى بلاد الشام ومعاودة الهجوم على المسلمين، افترقوا ثلاث فرق من أجل الإطباق على المسلمين، فسارت فرقه من جهة بلاد الروم وفرقة سارت من جهة الشرق وفرقة كبيرة جدا بها شرار المغول بقيادة منكوتمر بن هولاكو أخ أبغا والمدبر لسير الجيش.
(1) ابن الوردي: تتمة المختصر جـ5 ص302، ابن كثير: البداية والنهاية جـ 13 ص230، أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر جـ3 ص209.
(2) ابن الوردي: تتمة المختصر جـ2 ص302، ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص230، أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر جـ3 ص209، ابن العماد: شذرات الذهب جـ5 ص305.
(3) تكونت القبيلة الذهبية سنة 1235م حيث خرج باقو بن جوجي بن جنكيزخان لإخضاع أوربا الشرقية ففتح عاصمة البلغار ثم الروسيا وبولندا والمجر ودلماسيا. واستقر في منطقة الفولفا فقامت مملكة جديدة للمغول في هذه المنطقة منفصلة عن الامبراطورية الأم التي أنشأها جنكبزخان.
أنظر: بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية ص388 - 389.
(4) المقريزي: السلوك جـ1 ق2 ص497، توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص258، 259.
وقد كان سبب العداوة بين بركه خان وهولاكو أن العادة المتبعة عند المغول أن يقوم هولاكو بتقسيم الغنائم بعد كل معركة ينتصر فيها إلى ثلاثة أقسام قسم له وآخر لبركه خان وآخر لدولة المغول في وسط آسيا، إلا أن هولاكو خالف هذا النظام المتبع فمنع بركه خان حقه فنشب العداء بينهما لذلك.
بينما يرى البعض أن سبب الخلاف أمر غير ذلك وهو أن بركه خان كان مخالفا لهولاكو في توسعة في بلاد المسلمين وإسقاطه للخلافة العباسية، فمن هنا نشب العداء بينهما وهذا الرأي هو ما نرجحه خاصة وأن بركه خان قد اعتنق الإسلام عن تبصر فليس غريبا أن يخالف هولاكو في توسعه على حساب بلاد الإسلام.
(5) حيث جرت بينهما معركة هائلة قتل فيها كثير من أتباع هولاكو.
أنظر: ابن العماد: شذرات الذهب جـ5 ص305.
(6) ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص254.