الصفحة 47 من 103

فأيد الله المسلمين بنصره وهزم التتر هزيمة منكرة وقتل كثير منهم [1] وقضى على الأسطورة التي تقول:"إن قيل أن التتر هزموا فلا تصدق"، فقد حدثت حقيقة وأيد الله جنده، هنا تتجلى لنا في هذه المعركة صورة رائعة للعبودية الكاملة لله سبحانه وتعالى، فبعد أن أيد بنصره عبده قطز والمسلمين ينزل السلطان عن فرسه ولا يغتر بالنصر وبمكانته كسلطان للمسلمين فيمرغ وجهه لله بالتراب ويصلي ركعتين شكرا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من نصر على أعداءهم [2] إذ أن الله سبحانه وتعالى لم ينساهم حين أخلصوا النية له خاصة وأنهم جاهدوا في سبيله وهم جياع فلم ترهبهم قوة التتر، ولما كانت بطونهم خالية من الطعام كان زادهم التقوى ومرضاة الله وحسبهم بهذا زادا يعينهم على السير في درب الحياة خاصة وأنهم يعلمون بأن الله على نصرهم لقدير، وهنا تقتبس ما قاله د. إبراهيم حيث قال:"وقد عود الله عباده من أمة محمد أن يهبهم النصر على عدوهم إذا تحداهم في رمضان وتصدى لهم وهم جياع، ولعل السر في ذلك أن للصائمين نفوسا طائعة وقلوبا ضارعة وأرواحا شفافة .. تعلم أن الله يدافع عن الذين آمنوا" [3] .

ويصف لنا السيوطي حالة التتر بعد الهزيمة فيقول:"فهزم التتار شر هزيمة وانتصر المسلمون ولله الحمد، وقتل من التتار مقتلة عظيمة، وولوا الأدبار، وطمع الناس فيهم يتخطفونهم وينهبونهم [4] "، وغنم المسلمون الغنائم الكثيرة والأسرى مما لا يعد ولا يحصى.

كتب السلطان إلى ... خطابا يعلمهم بأمر الانتصار في عين جالوت ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا وأسرعوا إلى دور النصارى تخريبا وهدما، وقتلوا الكثير منهم، بعد ذلك قاموا بتطهير المدينة من الخونة المسلمين الذين انضموا إلى التتر وأعانوهم على إخوانهم المسلمين، فقتلوهم وأنقذوا البلاد من شرهم [5] .

حين بلغ هولاكو خبر الهزيمة التي مني بها جيشه غضب وانزعج حيث لم يكسر له عسكر من قبل فتم أمر الله الذي لا مرد له فرحل عائدا أدراجه من بلاد الشام ثم إلى خراسان .. فخضعت بلاد الشام كلها من الفرات إلى مصر لحكم الملك المظفر، إلا أنه لم تطل فترة حكم المظفر فقتل على يد الأمير بيبرس البندقداري [6] الذي أصبح سلطانا على المماليك حيث استمرت سلسلة الصراع بين الدولتين كانت في معظمها لصالح المسلمين.

الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري:

(1) ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص221.

(2) المقريزي: السلوك جـ2 ق2 ص433، 434.

(3) د. إبراهيم شعوط، مقاله في مجلة الوعي الإسلامي العدد 33 السنة الثالثة ص20.

(4) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص425.

(5) المقريزي: السلوك جـ1 ق2 ص434، ونعني بالمسلمين الذين انضموا إلى التتر وأعانوهم على المسلمين مثل حسين الكردي طبردار الملك الناصر صاحب دمشق وحلب، حيث سلم الناصر صاحب دمشق إلى التتر وغيره من الخائنين. أنظر: ابن الوردي: تتمة المختصر جـ2 ص298، ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص221.

(6) كان الخلاف على أشده بين المماليك البحرية ومنهم بيبرس ومن انضم إليه والملك المظفر قطز إلا أنهم نسوا خلافاتهم هذه أمام الخطر المغولي، وبعد عين جالوت قرروا تصفية الحساب بينهما فاتفق بيبرس مع مجموعة من المماليك على قتل المظفر قطز قبل أن يغدر بهم، وحين خرج للصيد وبعد عن المعسكر اقتربوا منه وبحيلة استطاع بيبرس أن يضربه بالسيف ثم رمى به عن فرسه، وحين وصل الخبر بمقتل قطز لنائب السلطنة فارس الدين أقطاي سألهم من قتله قيل له بيبرس فقال له يا خوند أجلس في مرتبة السلطنة.

أنظر: ابن الوردي: تتمة المختصر جـ2 ص300 - 301، ابن كثير: البداية والنهاية جـ3 ص222 - 223.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت