الصفحة 46 من 103

وقام بعد ذلك الملك المظفر قطز بجمع الأمراء والعسكر وخطب فيهم خطبة بليغة مؤثرة ذرفت منها العيون، حضهم فيها على رفع راية الجهاد في سبيل الله مذكرا إياهم بما أعده الله لهم من جنات عدن، ومحذرا لهم عقوبة الله عز وجل إن خافوا وجبنوا عن لقاء العدو ومذكرا إياهم بما وقع للمسلمين من قبل على يد التتر من قتل وسبي وحرق وإن ذلك سيصيبهم إن لم يخلصوا النية لله سبحانه وتعالى في دفع التتر عن البلاد واستنقاذ بلاد الشام منهم، فوافقه الجميع وتحالفوا على الاجتهاد في محاربة التتر وبذل دمائهم وأموالهم رخيصة في سبيل الله.

حين قوى المظفر قطز الوازع الديني لدى العسكر الإسلامي ورفع معنوياتهم وأشعل حماسهم الديني حين بلغت في نفوسهم أقصى درجات التضحية ببذل النفس والمال حينما أرسل الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري على رأس مجموعة من العسكر لمناوشة التتر ثم لحقه هو ببقية العسكر إلى إلى عين جالوت [1]

عين جالوت [2] :

قام كتبغا نائب هولاكو في الشام حين بلغه نبأ مسير العسكر الإسلامي بتجميع التتر في بلاد الشام وكونوا جيشا لمحاربة المسلمين [3] ، وساروا به إلى عين جالوت فالتقت طليعة التتر بطليعة المسلمين فلم تستطع الثبات أمامها فانكسرت، وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان التقى الجيشان وجها لوجه حيث اضطرب جناح عسكر السلطان فتخاذل طرف منه وكان السلطان قطز قائدا محنكا ومتيقظا فحين لاحظ ما حدث لجناحه رمى خوذته عن رأسه إلى الأرض وصرخ بأعلى صوته واإسلاماه لاستثارة الحماس الديني وإشعاله في نفوس العسكر وحمل بنفسه على جموع التتر حملة صادقة تبعه فيها بقية الأمراء والجند فحملوا على التتر حملة واحدة أيدهم الله سبحانه وتعالى فيها بنصره [4] فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز"إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" [5] ، وقتل كتبغا قائد التتر وأسر ابنه فحدث الاضطراب في صفوفهم فانهزموا لا يلوون على شيء [6] . فتبعهم الجيش الإسلامي [7] إلى قرب بيسان [8] فتجمعوا مرة أخرى وسووا صفوفهم والتحم الجيشان مرة أخرى فحدثت بلبلة في صفوف عسكر المسلمين عرف قطز دواءها فصرخ مرة أخرى واإسلاماه ثلاث مرات وقال يا الله أنصر عبدك قطز على التتار.

(1) المقريزي: السلوك جـ1 ق2 ص431، 432، عين جالوت: بليدة لطيفة من أعمال فلسطين بين بيسان ونابلس. أنظر: ياقوت: معجم البلدان جـ4 ص177.

(2) نرجو الاطلاع على ملحق الخرائط خريطة رقم 3.

(3) ابن كثير: البداية والنهاية جـ3 ص220.

(4) ابن خلدون: العبر جـ5 ص379.

(5) سورة محمد، آية 47.

(6) محمد عبد الله عنان: مواقف حاسمة ص165، 167، د. أحمد شلبي: الموسوعة جـ5 ص202.

(7) أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر جـ3 ص205، ابن الوردي: تتمة المختصر جـ2 ص297، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ7 ص79.

(8) مدينة بالأردن بالغور الشامي بن حوران وفلسطين: ياقوت: معجم البلدان جـ1 ص527.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت