الصفحة 45 من 103

حين وصلت هذه الرسالة إلى السلطان قطز غضب للإسلام والمسلمين فإن هولاكو لم يتجرأ بإرسال هذه الرسالة لولا المهانة التي وصل إليها المسلمون لبعدهم عن شريعة الله فجمع الأمراء وشاورهم في هذا الأمر الخطير فأجمعوا على قتل الرسل ما عدا صبي صغير كان معهم ضمه قطز إلى مماليكه ثم المسير إلى الصالحية [1] بعد تجهيز الجيوش لملاقاة التتار.

كان أمام قطز كثير من المهام فأسرع في بداية الأمر بتوحيد كلمة المسلمين وأعلن رفع راية الجهاد في سبيل الله فراسل الملك الناصر في أمر الصلح بينهما وتسوية الخلافات من أجل توحيد الصفوف أمام الخطر المغولي مذكرا إياه بفضل الجهاد والأجر والمثوبة الكبيرة التي يجنونها منه فاطمأن الملك الناصر لهذا التصرف وتقرر جمع الشمل لمواجهة هذا الخطر [2] . سار هولاكو بنفسه من بغداد إلى حران للوصول إلى الشام ومنها إلى مصر بعد أن بلغه ما فعله قطز برسله فحاصر حران بالمجانيق حتى سقطت في يديه ثم انتقل منها إلى حلب وهنا سارع الملك الناصر يستنجد بالملك قطز ويعلن له عن عزمه على لقاء التتار [3] .

كان قطز حين وصله استنجاد الملك الناصر به قد بدأ بتجميع الجيوش من أجل الجهاد في سبيل الله. وحين تكامل جنده سار بهم حتى وصل إلى الصالحية وكان معه مجموعة من الأمراء كرهوا الخروج للقاء التتار والسير معهم فجمعهم قطز وقال لهم:"يا أمراء المسلمين لكم زمان تأكلون أموال بيت المال وأنتم للغزاة كارهون وأنا متوجه فمن اختار الجهاد يصحبني ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته فإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين". ثم قال لهم:"وأنا سألقي التتر بنفسي"فسار معه بعض الأمراء الموافقين له فلم يسع المعارضين إلا الموافقة [4] .

ونلاحظ من هذا الموقف مدى بعد بعض أمراء المماليك عن مفهوم الجهاد في سبيل الله فقد كانت تجري عليهم الأموال من بيت المال للدفاع عن الإسلام والمسلمين لرفع راية الجهاد وحين دنا الأمر الفعلي رغب أكثرهم في التقاعس والتخاذل عن نصرة الإسلام، فكان ذلك الموقف يتطلب رجالا أمثال قطز والظاهر بيبرس لرفع راية الجهاد خفاقة بعد أن دنس المغول بأقدامهم بغداد وغيرها من بلاد المسلمين.

أرسل قطز الأمير بيبرس البندقداري في مجموعة من العسكر للتعرف على أخبار التتر فنزل غزة وملكها بعد هرب التتر منها [5] .

وصل السلطان المظفر قطز إلى غزة ثم سار إلى عكا فخرج إليه الفرنج ورحبوا به وعرضوا عليه المساعدة والسير معه إلى التتر إلا أنه رفض ذلك وطلب منهم أن يكونوا لا له ولا عليه وأقسم لهم بالله أنه متى تبعه أحد منهم لينال من عسكر المسلمين فسيعود أدراجه إليهم ويحاربهم قبل أن يلقى عدوه [6] .

(1) قرية قرب الرها من أرض الجزيرة، ياقوت: معجم البلدان جـ3 ص389 والرها مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام، ياقوت: معجم البلدان جـ3 ص106، والصالحية أيضا قرية كبيرة ذات أسواق وجامع في جبل قاسيون من غوطة دمشق فيها يسكن جماعة من الصالحين وفيها قبورهم، ياقوت: معجم البلدان جـ3 ص390، وهذه الأخيرة هي التي سار إليها المظفر قطز، والله أعلم.

(2) المقريزي: السلوك جـ1 ق2 ص417.

(3) المقريزي: السلوك جـ1 ق2 ص419، 420، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ7 ص73.

(4) المقريزي: السلوك جـ1 ق2 ص429، 430.

(5) كان التتر حين علموا بقدوم جيش مصر قد تركوا غزة لعدم رغبتهم في الاشتباك معهم، محمد عبد الله عنان: مواقف حاسمة ص165.

(6) المقريزي: السلوك جـ1 ق2 ص429، 430.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت