في دمشق وحلب ضد الملك المغيث [1] في الكرك وهم جميعا ضد سلطان مصر بل تعدى الأمر أكثر من ذلك حيث أرسل الملك الناصر صاحب دمشق ابنه الملك العزيز إلى هولاكو بالهدايا والأموال ويطلب مه نجدة تعينه على أخذ مصر من المماليك، فيجيبه هولاكو إلى طلبه بأنه سيرسل إليه عشرين ألف فارس وحين وصل هذا الخبر إلى دمشق كان بها بعض المماليك البحرية فسارعوا بالخروج من دمشق خوفا من الملك الناصر واتجهوا إلى المغيث بالكرك وحرضوه على أخذ مصر لنفسه بدلا من الناصر [2] .
لقي هذا الأمر هوى في نفس المغيث فجهز جيشا لمحاربة الملك قطز صاحب مصر، فسار إليه قطز وهزمه هزيمة منكرة فر على أثرها المغيث إلى الكرك [3] .
وقد كان لاضطراب الملوك والأمراء في بلاد الشام أثر كبير في استغلال هولاكو لهذه الفرصة لضرب العالم الإسلامي قبل أن يفيق من سباته العميق، فأرسل رسالة إلى الملك قطز سلطان مصر مع رسله يتهدده فيها ويتوعده هذا نصها:
"من ملك الملوك شرقا وغربا القان الأعظم: باسمك اللهم باسط الأرض ورافع السماء يعلم الملك المظفر قطز الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا [4] إلى هذا الإقليم يتمتعون بأنعامه ويقتلون من كان سلطانه بعد ذلك."
يعلم الملك المظفر وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار المصرية وما حولها من الأعمال، أننا جند الله في أرضه خلقنا من سخطه وسلطنا على من حل عليه غضبه فسلموا إلينا أموركم تسلموا، قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا وقد عرفتم أننا ضربنا البلاد، وقتلنا العباد، فلكم منا الهرب، ولنا خلفكم الطلب، فما لكم من سيوفنا خلاص، خيولنا سوابق وسيوفنا قواطع وقلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال ومن طلب حربنا ندم، ومن قصد أماننا سلم، فإن أنتم لشرطنا وأوامرنا أطعتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، فقد أعذر من أنذر وقد ثبت عندكم أننا كفرة وثبت عندنا أنكم الفجرة، فأسرعوا إلينا بالجواب قبل أن تضرم الحرف نارها وترميكم بشرارها فلا يبقى لكم جاه ولا عز، ولا يعصمكم منا جبل ولا حرز، فما بقى لنا مقصد سواكم والسلام علينا وعليكم، وعلى من اتبع الهدى وخشي عواقب الردى وأطاع الملك الأعلى" [5] ."
(1) الملك المغيث عمر ابن العادل أبي بكر بن الكامل كان ملكا على الكرك كاتب هولاكو وحثه على القدوم للشام مرة أخرى بعد موقعة عين جالوت فأجابوه بأنهم قامون في عشرين ألف لفتح مصر، وحين وقع الخبر للسلطان الظاهر اعتقله سنة 661هـ ثم أعدمه بعد أن أخرج فتاوى الفقهاء بقتله. أنظر: ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص238، ابن الوردي: تتمة المختصر جـ2 ص210.
(2) المقريزي: السلوك جـ1 ق2 ص410 - 411.
(3) ابن الوردي: تتمة المختصر جـ2 ص285، 286 والكرك قلعة حصينة جدا في طرف الشام من نواحي البلقاء في جبالها بين ايله وبحر القلزم وبيت المقدس، وهي على سن جبل عال تحيط بها الأودية. أنظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان جـ4 ص453.
(4) إشارة إلى أن المظفر قطز هو ابن الأمير ممدود ابن عم جلال الدين بن خوارزم شاه وهو في نفس الوقت ابن أخت جلال الدين، هرب أثناء غزو التتر لبلاد خوارزم ثم أسر إلى أن وصل مصر. كما سبق أن ذكرنا ذلك في فصل سابق.
(5) القلقشندي: صبح الأعشى جـ8 ص63 - 64، المقريزي: السلوك جـ1 ق3 ص427، 428.