قام هولاكو بعد ذلك بالاستيلاء على الكنوز والأموال العظيمة كما انتهك حرمة بيوت الله ومنع من بقي فيها من المسلمين من إعلان الآذان [1] . ويقول السبكي معلقا على ما حدث لبغداد:"هذه بغداد التي لم تكن دار كفر قط وجرى عليها هذا الذي لم يقع قط منذ قامت الدنيا مثله" [2] .
ملوك العراق من بني جنكيزخان:
ذكرنا فيما سبق سقوط بغداد بيد هولاكو بن جنكيزخان [3] سنة 656هـ وباستيلائه على هذه المدينة خضع له كثير من المناطق المجاورة لها إما صلحا وإما عن طريق المقاومة البسيطة التي لا تذكر فخضعت له بذلك بلاد العراق وفارس [4] وأصبح هو الحاكم الفعلي في البلاد بدلا من خلفاء بني العباس فكان أول ملوك التتر في العراق حيث حكمها حوالي عشر سنوات كان يرسل منها الجيوش لمحاربة بلاد الشام في محاولة لإخضاعها تحت سيطرته فأخضع بعض المناطق لسلطانه إلى أن تمت هزيمة جيشه في موقعة عين جالوت بقيادة الملك المظفر قطز سلطان المماليك فأصيب هولاكو بالصرع إلى أن مات في سنة 663هـ فانتقل الأمر إلى ابنه أغا الذي استمر على خطة أبيه فأكمل إرسال الجيوش لمحاربة المسلمين الذين أنزلوا به الهزيمة في موقعة حمص ثم توفى سنة 681هـ [5] بعد أن دام في الحكم حوالي 18 ثمانية عشر سنة، فانتقل الملك بعده إلى أخيه تكدار بن هولاكو فأسلم وحسن إسلامه وتلقب بأحمد سلطان وكانت بينه وبين سلطان مصر علاقات حسنة وتبادل هدايا إلا أنه لم يدم في الحكم طويلا [6] إذ أنه أجبر العسكر المغولي على الإسلام فلم يرضوا بذلك فثاروا عليه وقتلوه، ثم قاموا بتولية ابن أخيه بدلا منه فقفز على الحكم أرغون بن ابغا بن هولاكو وذلك سنة 683ه [7] ـ فاستمر في الحكم لمدة سبع سنين إلى أن توفى سنة 690هـ [8] ، فانتقل الملك بعده إلى أخيه كيختو فخرج عن الياسه [9] وأفسد السيرة فأصاب المغول منه البلايا فوثب عليه أبناء عمه وقتلوه وتولى بدله بيدو بن طوغاي بن هولاكو، وذلك سنة 694هـ، إلا أنه لم يستمر طويلا في الملك فقد دارت الحرب بينه وبين غازان بن أرغون ابن أبغا بن هولاكو فانتصر عليه غازان وقتل بيدو فدانت البلاد لغازان فوط أمره بها [10] وكان سياسيا محنكا، فبعد أن استتب الأمر له في العراق أخذ يجهز الجيوش لمحاربة المماليك في مصر وأعلن إسلامه فتبعه بقية الجيش وكان الغرض من إسلامه أن يضمن النصر على حكومة المماليك فجرت بينهما معارك حربية انتصر في بعضها وهزم في الآخر مثل موقعة وادي الخازندار التي انتصر فيها وموقعة تل شقحب التي هزم فيها فلم تقم بعدها له قائمة فتوفى سنة 703هـ.
(1) السبكي: طبقات الشافعية جـ5 ص114 - 115، ابن العماد: شذرات الذهب جـ5 ص270 - 271، ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص202.
(2) السبكي: طبقات الشافعية جـ5 ص116.
(3) هولاكو هو مقدم التتار وقائدهم، أباد البلاد والعباد، خرج مع جيش المغل فأخذ المماليك وطوى حصون الاسماعيلية وأذربيجان من الروم والعراق، فكان ذا سطوة ومهابة وعقل وحزم ودهاء وخبرة بالحروب وشجاعة وكرم، مع فرط ومحبة لعلوم الأوائل من غير أن يفهمها مات على كفره بعد أن خلف سبعة عشر ولدًا.
أنظر: ابن العماد: شذرات الذهب جـ5 ص316، 317.
(4) نرجو الاطلاع عق الخرائط، خريطة رقم 2.
(5) الغياث: التاريخ الغياثي ص42 - 43.
(6) ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص299، القلقشندي: صبح الأعشى جـ4 ص420.
(7) ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص304.
(8) القلقشندي: صبح الأعشى جـ4 ص420.
(9) الياسة: أصل كلمة سياسية وهي مجموعة قوانين وضعها جنكيزخان لتسيير شئون المغول. أنظر: المقريزي: الخطط جـ2 ص220.
(10) القلقشندي: صبح الأعشى، جـ4 ص420.