بعد انهزام جيش بغداد قطع الخليفة الأمل في أي مقاومة عسكرية لدفع المغول عن بغداد لذلك حين أشار عليه ابن العلقمي بالذهاب لمصانعة التتر وإقرار الصلح بينهم سارع بالموافقة [1] ، فسارع الوزير وخرج إلى هولاكو وأخذ منه المواثيق والعهود بعدم الإضرار به وجعله نائبا له على بغداد مقابل تسليمه إياها بدون جهد ولا تعب بل وأكثر من ذلك تعهد له الوزير بأن يسلمه الخليفة في يده مع كبار رجال دولته، فوافقه هولاكو على ما أراد فرجع إلى خليفته وأخبره زورا وبهتانا بأن هولاكو أراد حقن الدماء وإبقاء الخلافة على ما هي عليه شريطة أن يصاهره الخليفة فيتزوج ولده وولي عهده من ابنة هولاكو، تحير الخليفة قليلا إلا أن الوزير حبب إليه هذا العمل لما فيه حقن دماء المسلمين وصلاحهم فهي الطريقة المأمونة لكي يكف عنهم خطر التتر فوافقه الخليفة على ما أراد [2] وكان كما قال السيوطي [3] "كان خليا من الرأي والتدبير، فأشار عليه الوزير بأن مصانعة للتتر وإكرامهم يحصل به المقصود ففعل ذلك".
استمر الوزير في إكمال خطته فأشار على الخليفة بالخروج بنفسه إلى أهل العروس ونعني به هولاكو مع كبار رجال دولته من قضاة وفقهاء وعلماء وحاشية لكي يزف ابنه إليها وعمل مراسيم عقد النكاح. وحين وصلت قافلة الزواج إلى المعسكر المغولي كانوا يدخلونهم طوائف كلما دخلت طائفة ضربوا أعناقها ولم يبقوا على أحد منهم [4] إلى أن أتى دور الخليفة فأمر هولاكو بقتله، فقيل له أن هذا أن أريق دمه كان سبب خراب ديارك لأنه خليفة الله في أرضه وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحير هولاكو من هذا الأمر فأنقذه من ذلك الموقف المحير نصر الدين الطوسي [5] حيث أشار عليه بطريقة لقتل الخليفة بأن يوضع في طست ثم يقتل وبذلك يضمن عدم إراقة دمه [6] .
حين انتهى هولاكو من القضاء على الخليفة وكبار رجال دولته التفت إلى بغداد وأهلها غافلون عما تم للخليفة وبطانته، فأخذهم هولاكو على حين غرة، ويصف لنا ابن كثير حالهم فيقول"وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوما. فبقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وانثنت من جيفهم البلد وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء [7] . وبذلك سقطت بغداد سنة 656هـ في أيدي التتر بدون مقاومة تذكر، بعد أن قتل من أهلها أكثر من مليون نسمة [8] ."
(1) السبكي: طبقات الشافعية جـ5 ص114.
(2) السبكي: طبقات الشافعية جـ5 ص115، شوقي أبو خليل: عوامل النصر والهزيمة ص94.
(3) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص466.
(4) السبكي: طبقات الشافعية جـ5 ص114، ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص201، شوقي أبو خليل: عوامل النصر والهزيمة ص94.
(5) نصير الدين الطوسي ولد سنة 597هـ كان بارعا في شتى العلوم خاصة في علم الفلك أقام مدة عند الاسماعيليين في قلعة ألموت حيث أغرى صاحبها ركن الدين خورشاه بتسليمها إلى هولاكو ثم دخل هو بعد ذلك في خدمة هولاكو فكان مسموع الكلمة لديه فبنى له في مراغه دار للرصد. للاستزادة من ترجمته أنظر: المقريزي: السلوك جـ1 ق2 وأيضًا: ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص201.
(6) وقيل أن الخليفة غم في بساط وقيل رفسوه حتى مات لكي لا يراق دمه. أنظر: السبكي: طبقات الشافعية جـ5 ص115، ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص201، شوقي أبو خليل: عوامل النصر والهزيمة ص95.
(7) ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص203.
(8) شوقي أبو خليل: عوامل النصر والهزيمة ص95.