بدا من مدافعة التتر بالمداهنة وبذل الأموال والعطايا لهم وإرسال الرسائل في الخفاء إلى الخليفة العباسي لطلب النجدة حيث لم تكن لديه القدرة الكافية لصدهم وحده، لأن الأمراض والبلايا قد أصابت العالم الإسلامي كله فضلا عن دار الخلافة، وحين وصلت رسائل صاحب الموصل للخليفة [1] فاق من سباته ليجد نفسه والمسلمين في خطر محدق وقد ذهبت منه فرصة عظيمة لأنه لو تدارك هذا الخطر منذ بداية أمره لما وصل إليه في عقر داره، أما الآن والدولة في انهيارها دينيا ببعدها عن شرع الله، ومعنويا بتخاذل الناس عن لقاء العدو، فكان من الصعب الوقوف في وجه هذا الخطر.
وقد لعب ابن العلقمي دوره في تضليل وغش الخليفة بما فيه مصلحة التتر [2] ، حيث كان يهون على الخليفة أمرهم حين رآه يعمل على توحيد الجهود [3] ، ويشير عليه بمصانعتهم لحفظ دماء المسلمين ومحاولة تقليل عدد الجيش العباسي اقتصادا في النفقات لإرسال المال المقتصد كهدايا لمداهنة هولاكو ليكف يده عن البلاد فوافقه الخليفة على ما أراد [4] .
لم تكن الأموال العظيمة التي بذلها الخليفة لهولاكو لتشبع شهيته ولترده عن رغبته في فتح بغداد بل على العكس زادت منها، ولم ترو ظمأه للدماء فقد استولى على ما جاءه وتقدم بعساكره متقويا بها بعد أن أرهق الخليفة نفسه في سبيل إرسالها إليه، فسار هولاكو إلى بغداد لمحاصرتها، فلم يستطع عسكر بغداد الاستمرار في تجاهل المغول وقد قدموا إليهم في عقر دارهم فخرج ركن الدين الدويدار في مجموعة من العسكر لملاقاة المغول فالتحموا معهم على بعد مرحلتين من بغداد انكسر فيها المسلمون [5] ولحقهم التتر بالسيوف فقتل البعض وهرب آخرون وغرق الكثيرون في الماء [6] .
اتجه التتر إلى محاصرة بغداد وإخضاعها لسلطان هولاكو فنزلوا على نهر دجلة في مواجهة دار الخلافة وضرب هولاكو سورا على عسكر بغداد وأحاط بها حتى لا تستطيع فكاكا منه، منتظرا أي فرصة للانقضاض والتهام فريسته بأسرع وقت [7] .
(1) السبكي: طبقات الشافعية جـ5 ص114.
(2) شوقي أبو خليل: عوامل النصر والهزيمة ص94.
(3) حيث أرسل الخليفة رسولا إلى الملك الناصر الأيوبي صاحب دمشق يطلب منه مصالحة الملك المعز أيبك التركماني صاحب مصر وأن يجتمعا معا على محاربة التتر. السبكي: طبقات الشافعية جـ5 ص113.
(4) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص466، المقريزي: السلوك جـ1 ق2 ص412 ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص201، شوقي أبو خليل: عوامل النصر والهزيمة ص94.
(5) شوقي أبو خليل: عوامل النصر والهزيمة ص94.
(6) السبكي: طبقات الشافعية جـ5 ص114.
(7) السبكي: طبقات الشافعية جـ5 ص114، 115، شوقي أبو خليل: عوامل النصر والهزيمة ص94.