أسباب الغزو المغولي للعراق:
اختلف المؤرخون في السبب الرئيسي الذي حدا بجنكيزخان لإكمال تسديد ضرباته المدمرة للعالم الإسلامي ليصل إلى قلبه النابض، ونعني به الوصول إلى بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية في ذلك الوقت، وقد ساعده على إتمام هذا المشروع بعد المسلمين عن دينهم وانتشار اللهو والعبث والترف فيهم من أقصاهم إلى أدناهم، والخليفة المستعصم [1] وما دونه في غفلة عما يحاك خارج بغداد بل وفي داخلها، فالمغول يتجولون في بلاد المشرق الإسلامي شرقا وغربا بون رادع، وفي الداخل كان الوزير ابن العلقمي [2] يحيك المؤامرات ويدبر الوسائل للانتقام من الخليفة العباسي ومن حوله من أهل السنة لإقامة خلافة علوية، وللأخذ بثأر الشيعة من السنين نتيجة للمذابح التي كانت بينهما [3] ، فقام بإرسال الرسل إلى التتر يرغبهم في دخول بغداد، ويهون عليهم أمرها حتى تم له ما أراد [4] .
بينما نجد أن ابن الطقطقي يدافع عن ابن العلقمي وينفي عنه تهمة التواطؤ مع التتر وخيانته للإسلام والمسلمين [5] ، إلا أن أكثر المراجع تذكر خيانته، ونحن نرجح ذلك لكراهته لأهل السنة ورغبته في إقامة خلافة علوية.
إلا أنه بالإضافة إلى ترغيب ابن العلقمي للتتر بدخول بغداد، كان هناك الرغبة في التوسع لدى هولاكو بن جنكيزخان وعدم اقتناعهما كان تحت يده وذلك لحياة البداوة التي كان يعيشها التتر وكثرة التنقل والترحال إذ أنهم بعد أن يفتحوا المدن ويدمروها ينتقلوا إلى غيرها فلم يكونوا طلاب حضارة إنما طلاب مال وغنائم، إلا أنه بدون دعوة ابن العلقمي ما كانوا احتلوها بهذه السهولة كما سنرى، وقد ساعدهم في ذلك أن الخلافة العباسية قد غرقت في الترف والنعيم والتطاحن في سبيل الوصول إلى المناصب والملذات الدنيوية فتكاسلوا وضمرت نفوسهم وهممهم عن التناصح ورفع لواء الجهاد في سبيل الله لنصرة دينه [6] . وحين أحست الخلافة العباسية بالخطر الذي دنا منها ندموا على ما فرطوا، ولما وصل الموج الكاسح إلى أطراف العراق حيث الموصل لم يجد صاحبها [7]
(1) هو أمير المؤمنين أبو أحمد عبد الله بن المستنصر بالله أبي جعفر المنصور بن الظاهر بأمر الله ... ابن المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن أبو جعفر المنصور، كان فيه لين ورقة وانقياد وضعف رأي أمام الوزراء ولم يكن رجل ذلك الوقت. أنظر: السبكي، طبقات الشافعية جـ5 ص110.
(2) مؤيد الدين محمد بن علي العلقمي كان أديبا شيعيا رافضيا في قلبه حقد وكراهية للإسلام وأهله. السبكي: طبقات الشافعية جـ5 ص110.
(3) وذلك حين اعتدى الشيعة على السنين في بغداد فقام أهل السنة بالتالي بمذابح عظيمة ضدهم مما أغضب ابن العلقمي إلا أنه لم يستطع حيالها أن يفعل شيئا فأضمر في نفسه شرا. السبكي: طبقات الشافعية جـ5 ص110، ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص196.
(4) السيوطي: تاريخ الخلفاء ص466، ابن العماد: شذرات الذهب جـ5 ص255، المقريزي: السلوك جـ1 ق2 ص400، السبكي: طبقات الشافعية جـ5 ص110، شوقي أبو خليل: عوامل النصر والهزيمة ص94.
(5) ابن الطقطقي: الفخري في الأداب السلطانية ص271.
(6) ابن خلدون: العبر جـ5 ص371، شوقي أبو خليل: عوامل النصر والهزيمة ص93 - 94.
(7) الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ الأرمني الأتابكي كان صارما شجاعا مدبرا، توفى سنة 657هـ وقد نيف على الثمانين.
أنظر: ابن العماد: شذرات الذهب جـ5 ص289.