كان الأمير بيبرس الجاشنكير يكن العداوة والكراهية للشيخ ابن تيمية وحين ارتقى إلى السلطة لاقى منه ابن تيمية الأمرين بتحريض من شيخ الأمير بيبرس الجاشنكير الشيخ نصر بن المنبجي، الذي كان أثيرا لديه ولا يرفض له طلب، فسجن الشيخ عدة مرات [1] ، كان في إحداها سيصدر أمر بقتل الشيخ، فدافع الأمير سلار عنه فحماه الله ودفع عنه الأذى، كما كان الجاشنكير يكره ابن تيمية لمحاربته للصوفية الذين يدعون أن الإنسان مسير لا مخير حيث شجعهم الحكام في ذلك، إذ لاقى هوى في نفوسهم فبذلك يستطيعون التحكم في الشعب، فيما أنهم مسيرون إذا فليقبلوا تحكم السلاطين المستهدين فهذه إرادة الله لا خيار لهم فيها فأخذ ابن تيمية يحارب هذا الفكر ومدعيه، إلى أن تنبه كثير من أتباع الصوفية فانشقوا على أنفسهم ورجع بعضهم إلى طريق الحق والصواب [2] ، فأيد الله سبحانه وتعالى عبده ابن تيمية ومكنه ودحر عدوه وأزال سلطانه [3] .
كان لابن تيمية خصوم من العلماء الكبار يكيدون له في الخفاء ويعادونه، بينما كان آخرون يؤديونه ويدافعون عنه، فأما خصومه فلم ينالوا منه وانتصر عليهم بوقوف كثير من الحكام إلى جانبه، وحين قويت شوكة ابن تيمية لم يعامل خصومه بمثل ما عاملوه به إنما صفح عنهم وبرهن لهم على أن قلوب العلماء لا تحمل ضغينة لأحد إنما تحمل النصح والصفح والمعاملة بإحسان.
خصوم ابن تيمية من العلماء:
1 -المنبجي:
الإمام القدوة العابد أبو الفتوح نصر بن سليمان المنبجي المقرئ كانت له سيرة حسنة ومحاسن كثيرة، وكان محبا للعزلة بزاويته بالحسينية، فكان يتردد عليه فيها الكبراء والأعياء والجند لزيارته ولاستفتائه في شتى الأمور، وكانت له محبة لمحي الدين بن عربي ومناصرة له، تولى وزارة الأعيان بمصر وكانت له منزلة كبيرة لدى بيبرس الجاشنكير فكان لا يرفض له طلبا، كان يناصب ابن تيمية العداء لرأيه في ابن عربي حيث أرسل ابن تيمية للمنبجي رسالة يكفر فيها ابن عربي [4] .
ولموقف ابن تيمية من غلاة الصوفية، دس له عند الجاشنكير حيث سجنه عدة مرات، إلا أن ابن تيمية لم يعامله بالمثل لأن ذلك ليس من أخلاقه، فحين زالت دولة الجاشنكير، وأفرج السلطان الناصر عن ابن تيمية، ذهب إليه المنبجى وطلب منه أن يشفع له لدى السلطان وإنه سيلبي لابن تيمية جميع ما يطلبه منه، حتى رأيه في ابن عربي سيوافقه فيه، فقال له:"وأنا والله لن أخالفك أبدًا، وحتى رأيك في شيخنا ابن عربي أقسم بالله أن أسكت عنه ولن أفكر فيه" [5] .
أهي المساومة يطلبها المنبجي من ابن تيمية يتنازل فيها عن مبادئه وآرائه لمن كان سابقا بين يديه يفعل به كما يحلو له، إذا فقد آن الأوان لكي ينتصر ابن تيمية لنفسه ويذيق خصمه بعض ما لاقى في سبيل الدعوة إلى الله، إلا أن ابن تيمية لن يبادر بالانتقام وهو القائل أنا لا أنتصر لنفسي، فهو وإن ألقوه في السجون فهو شاكر لهم لأنه فهم أنهم لم يؤذوه بل بالعكس قدموا له فرصة عظيمة، كان يرى أن الله منّ بها عليه للاستزادة من كتابه الكريم، حيث كان كثيرا ما يتلو القرآن العظيم وبدون تفسير بعض الآيات القرآنية، فلم يعامل ابن تيمية خصومه بالمثل بل سامحهم، وفعل أكثر من ذلك وما زال بالسلطان إلى أن عفى عنهم.
(1) ن. م. س: جـ 14 ص49 - 50.
(2) الشرقاوي: الأهرام، ص13، 8/ 9/ 1982م.
(3) وذلك بعودة السلطان الناصر للحكم وقتله بيبرس الجاشنكير والإفراج عن ابن تيمية، ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص51 - 52.
(4) عبد الرحمن بدوي: تاريخ التصوف الإسلامي ص78.
(5) الشرقاوي: الأهرام ص13، 22/ 9/ 1982م.