كان لهذه المكانة التي وصل إليها ابن تيمية لدى السلطان الناصر أن تألب عليه خصومه وزاد حسدهم له، فقد صار له مكانة كبيرة لدى السلطان لدرجة أنه يعزل ويولي الولاة والقضاة، فماذا سيفعل بهم السلطان لو شكاهم إليه ابن تيمية [1] ، فما عليهم إلا أن يسيئوا العلاقة بينهما، ويحاولوا إبعاد الشيخ ابن تيمية عنه، فكذبوا عليه وأوغروا صدر السلطان ضده، متهمين الشيخ بأنه يريد سلب الملك من السلطان، مستدلين بجذبه لقلوب العامة، ومحبتهم والتفافهم حوله، فأحضر السلطان ابن تيمية وسأله عن مدى صحة هذا الخبر، فلم يكترث ابن تيمية لهذا الكلام وأجابه بكل هدوء واطمئنان وثقة بالنفس ورفع صوته ليسمعه خصومه فقال:"أنا أفعل ذلك! والله إن ملكك وملك المغول لا يساوي عندي فلسين"فضحك السلطان كثيرا وصدقه، لنزاهته وترفعه عن المناصب، فلم يل للسلطة عملا أو أخذ منهم أجرا، وكذب الواشين وردهم بغيظهم لم ينالوا من الشيخ شيئا [2] ، ولولا المحبة العميقة التي يكنها السلطان للشيخ لأهلكه بكثرة ما يسعى ضده المغرضون، من أقاويل زورا وبهتانا ينسبونها إليه.
فكر خصوم ابن تيمية في طريقة جديدة يستطيعون بها أن يدسوا ضده لدى السلطان، بحيث يبعده عنه إبعادا كليا، فبحثوا ونقبوا طويلا إلى أن عثروا للشيخ على فتوى قديمة أخذوها وذهبوا بها إلى السلطان وهم فرحون فقد نجحوا هذه المرة في الكيد له لأن ابن تيمية هذه المرة قد مس اعتقاد السلطان، وهو متمسك برأيه مهما حاول ابن تيمية اقناعه بعكس ذلك، وابن تيمية كان يعرف خصومه لا يمكن أن يتنازل عن رأيه إرضاء لخاطر السلطان طالما أنه على الحق والصواب، فكان أن وجدوا له فتوى كان قد أصدرها بمنع الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم بشخصه وأن هذا شرك صريح بالله سبحانه وتعالى، فيجوز الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم والتوسل بدعائه وشفاعته يوم القيامة لا بذاته، مستدلا بما حدث في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين تشفع بسيدنا العباس فلو كان يجوز التشفع بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته لما تركه عمر إلى العباس [3] ، كذلك رأى ابن تيمية في مسألة السفر لزيارة قبره الشريف عليه الصلاة والسلام وبقية قبور الأنبياء عليهم السلام والصالحين حيث منع ابن تيمية شد الرحال لزيارة القبور [4] .
أصدر السلطان مرسوما باعتقال الشيخ، ووضعه في قلعة دمشق ومنعه من الفتوى وملاحقة أصحابه وتلامذته وتعزيرهم، وذلك في سنة 726هـ وظل الشيخ ابن تيمية في سجن القلعة إلى أن انتقل إلى رحمة الله [5] .
خصوم الشيخ:
(1) الشرقاوي: الأهرام: مقالة ص13، 22/ 9/ 1982م.
(2) البزار: الأعلام العلية ص65، 66، البيطار: حياة شيخ الإسلام ابن تيمية ص15.
(3) ابن تيمية: التوسل والوسيلة ص64 ودعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الاستسقاء المشهور قوله (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) .
(4) إذ رأى ابن تيمية أن زيارة القبور للدعاء والشفاعة من الميت كما كان متفشيا بين العامة في ذلك الوقت، مدعاة للكفر بالله وطريق لاتخاذ القبور أوثانا تعبد من دون الله بينما رأى أن زيارتها للدعاء للميت والاستغفار له فهو جائز.
وللاستزادة في هذا الموضوع نرجو مراجعة كتاب ابن تيمية التوسل والوسيلة ص23 - 30 ... الخ.
(5) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص123.