الصفحة 28 من 103

من الأمراء المماليك، كان نائبا في مصر وشريكا لبيبرس الجاشنكير في الحكم [1] ، وكان كثير المحبة للشيخ، استضافه في منزله بعد خروجه من السجن سنة 705هـ ورغب في إقامته في مصر ليستفيد أهلها من علمه ودينه بدلا من ذهابه إلى الشام [2] ، وكان يحاول بقدر استطاعته حماية الشيخ من غضب أعدائه وخصومه، وتخفيف وطأة السجن عليه، وحين استشاره بيبرس الجاشنكير في إصدار أمر بقتل ابن تيمية بعد فتواه بمنع الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها من الفتاوى التي لم تناسب حاسديه رفض سلار هذا القرار ودافع عن الشيخ ابن تيمية إلى أن جعل الحكم السجن فقط لحمايته من كيد أعدائه ومؤامراتهم [3] .

علاقة ابن تيمية بالسلطان محمد الناصر:

في بداية سلطنة الناصر لم يكن له رأي أو تصرف في الحكم لصغر سنه فقد كان له الاسم فقط فلم يكن يستطيع الدفاع عن ابن تيمية، أو غيره أو حتى عن نفسه لتسلط الأمراء عليه واستئثارهم بالسلطنة دونه، لذلك كان يراقب الأحوال والأوضاع من بعيد، تطل من عينه نظرات الحزن والأسى على ابن تيمية وهو ملقى في السجن، لذلك ما أن عاد إلى السلطنة للمرة الثالثة [4] ، واستقر في الحكم حتى كان أول أمر أصدره الإفراج عن الشيخ وإحضاره من سجن الاسكندرية وإكرامه، وقد بلغ من محبته للشيخ وتعظيمه له أنه كان جالسا في مجلس الحكم والقضاة والأعيان محيطون به فإذا به ينهض واقفا لاستقبال الشيخ واحتضانه ثم يأخذه إلى الشرفه ويستفتيه في قتل أعدائه من العلماء ثم يعود به إلى مجلسه ويجلسه بين يديه ويثني عليه أمام خصومه ثناء كثيرا مما زادهم غيظا وكمدا [5] .

لقد بلغ من كثرة محبة السلطان للشيخ وإجلاله أنه كان يقبل يده وحين حاول ابن تيمية سحبها منه قال له:"إن لم نقبل يدك نقبل يد من؟ وأنا لم أقبل يد أحد سواك وابن دقيق العيد رحمه الله" [6] . وكان إذا انقطع عنه ابن تيمية يرسل له السلطان يستدعيه إليه يطلب منه النصيحة فيقدمها له، وينكر كثيرا من المنكرات التي أحدثتها الناس فيأمر السلطان بالعمل بما أشار عليه ابن تيمية [7] ، لدرجة أن السلطان عزل والي دمشق بإشارة ابن تيمية حين بلغه استبداده بأهل دمشق وانتزاعه الأموال الكثيرة منهم، وتنكيله بالعلماء الأفاضل حين نصحوه بالعدل [8] .

(1) كان الأميران سلار والجاشنكير بيدهم مقاليد الأمور في عهد السلطان الناصر في فترة حكمه الثانية ثم حين خلع نفسه واتجه إلى الكرك تسلطن الجاشنكير وأشرك معه سلار.

أنظر: ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ8 ص232 - 236.

(2) ان كثير: البداية والنهايةجـ14 ص45.

(3) الشرقاوي: الأهرام ص13 - 8/ 9/ 1982م.

(4) المقريزي: الخطط جـ2 ص239.

(5) ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص279 - 281، ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص53 - 54.

(6) الشرقاوي: الأهرام: مقالة ص13 - 22/ 9/ 1982م.

(7) ن. م. س: ومن المنكرات التي ذكرها الشيخ للسلطان ذهاب النساء إلى العرافين لكتابة الأحجبة لاستبقاء حب الأزواج وليرزقن بالأولاد وهذا شرك بالله تعالى وذهاب للأموال والأعراض، فقد كان بعض العرافين رجالا يتزينون بزي نساء فيفسقوا في بعض الأحيان بمن تأتيهن. كذلك خروج النساء إلى الأسواق متبرجات وزيارتهن للقبور مما يغري من في قلبه مرض ... .

(8) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت