"لا يخشى رجلٌ غيرَ الله إلا لمرض في قلبه"عبارة كانت محفورة في قلب الشيخ ابن تيمية تسير معه أينما اتجه أو ارتحل تنير له الطريق، وتسير به نحو الإيمان الكامل فلا خوف من أحد أيا كان سلطانا أو حاكما أو قاضيا فما دونهم في سبيل قول الحق، فلو اجتمعوا جميعًا لإيذائه فإن الله يردهم عنه ولن يصيبه منهم شيء متمثلا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس:"وان اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك" [1] . لذلك لم يكن يخاف ابن تيمية في الحق لومة لائم فكان إذا رأى منكرا سارع بتغييره كائنا من كان صاحبه مما جعل له كثيرا من الحساد والأعداء بالإضافة إلى المحبين لدينه وعلمه وشجاعته، ولم يكن ابن تيمية يمتاز عن أقرانه من العلماء بالعلم فقط وإنما امتاز عنهم بالجرأة والصراحة في إبداء آرائه وفتاواه وفي إنكار البدع والخرافات ومهاجمة المتصوفين الدخلاء. مما أثار ضده كل من لم يوافقه في ذلك، كما أعجب به كثيرون ووقفوا بجانبه، ومن هنا كان تعرضه لغضب الحكام، وحقد خصومه من بعض العلماء ومن العامة الذين كانت تثيرهم مواقف العلماء ضده ومحاولة بعض الحكام الضرب على يده.
منزلة الشيخ بين الحكام:
كان الشيخ ابن تيمية على علاقة حسنة مع الحكام الذين يقدرون العلم والدين فلم يستطع المغرضون أن يوغروا صدور الأمراء عليه بل على العكس نجدهم يسارعون لنجدته ويضربون بيد من حديد على المغرضين والواشين [2] .
أما بعض الأمراء الذين لا هم لهم سوى الحكم مع قلة العلم والمعرفة فقد وجد أصحاب النفوس المريضة من أعداء الشيخ الطريق إلى نفوسهم لتنفيذ مآرابهم وخططهم فنال الشيخ منهم الأذى عدة مرات.
ومن أمثال محبيه:
1 -الأمير سيف الدين جاغان:
من أمراء دمشق كان على درجة كبيرة من الديانة والخير، يعرف لابن تيمية قدره وكان معجبا به يحاول جهده دفع الأذى عنه وعن أصحابه، وحين وقعت للشيخ ابن تيمية المحنة سنة 698هـ، حيث آذاه بعض العامة، كما ألقي بعض أصحابه وتلامذته في السجون، انتصر له هذا الأمير ودفع عنه الأذى، وشدد في عقاب المتسببين في ذلك وعزر جماعة منهم [3] .
2 -الأمير جمال الدين آقوش الأقرم:
كان نائبا في الكرم ثم تنقل بين مصر والشام إلى أن استقر بنيابة دمشق.
كان يكن للشيخ ابن تيمية محبة عظيمة ويحاول جهده أن يبعد الأذى عنه فحين طلب الشيخ ابن تيمية إلى مصر سنة 705هـ توقع الأقرم حدوث الشر له فأشار عليه بعدم الذهاب على أن يراسل هو السلطان ويحاول إصلاح القضايا بينهما، ورغم علمه بشدة المهمة التي سيواجهها إلا أنه لم يبال بذلك ما دام فيها حماية ابن تيمية [4] .
3 -الأمير سلار:
(1) نص الحديث عن أبي عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:"كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: (يا غلام أني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تحاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف) -رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح، نقلا عن كتاب شرح الأربعين حديث النووية للإمام ابن دقيق العيد ص50."
(2) مثل انتصار الأمير سيف الدين جاغان لابن تيمية ضد خصومه سنة 698هـ، كما مر معنا في الصفحات السابقة.
(3) ابن كثير: البداية والنهايةجـ14 ص4، ابن عبد الهادي: العقود الدرية ص201.
(4) ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص38.