الصفحة 23 من 103

توفى الشيخ أبو البركات ابن المنجا شيخ المدرسة الحنبلية بدمشق سنة 695هـ فخلفه الشيخ ابن تيمية [1] فيها فجمع بذلك شياخة المدرسة الحنبلية والدروس التي خلف فيها والده رحمه الله.

استمر ابن تيمية بالدروس والتدريس في دمشق وكان إقبال الناس عليه كبيرا سواء من الخاصة أو العامة وأصبحت مجالس علمه تطبق شهرتها الآفاق حتى أن طلاب العلم كانوا يقدمون عليه من خارج دمشق ليسألوه ويستفتوه، كما حدث حين قدم عليه سنة 698هـ بعض أهل حماه ووجهوا استفتاء إليه يسألونه فيه عن تحقيق العلماء في الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه في هذه الآيات: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء) وما أشبهها كذلك حديث (إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن) وغيره من الأحاديث، فأجابهم الشيخ بتفصيل كبير وإيضاح واف تحدث فيه عن مذهب السلف من الصحابة والتابعين والأئمة والمجتهدين والعلماء والمتكلمين المتقدمين (أمثال أبي الحسن الأشعري [2] وغيره مستدلا بأقوال هؤلاء ومؤلفاتهم مما يدل على مدى معرفته وعلمه بالمذاهب والمدارس الفكرية.

وكان يرى ابن تيمية أن الإيمان بصفات الله تعالى من واجبات الدين مع الاعتراف بحقيقتها التي تتفق مع جلال الله تبارك وتعالى، ويجدر بذاته العلية وليس كمثله شيء مع التنزه الكامل عن كل تشبيه أو تجسيم وكل نفي وتعطيل إذ أنه لا يقيس صفات الله عز وجل على صفات الخلق، وفي نفس الوقت لا ينكرها ولا ينفيها من شدة المغالاة والإفراط في تنزيه الله تعالى، ولا يؤولها تأويلا يبعدها عن الحقيقة ويتركها مجرد كناية ومجاز، بل يرى أن الله سبحانه وتعالى يستوى على العرش استواء يليق بجلاله وأنه يملك يدين ورجلين وسمعا وبصرا ولكن ليس كأيدينا ولا كسمعنا ولا كبصرنا بل (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) . أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وألف في ذلك ما يعرف بالمسألة الحموية تكلم فيها عن آيات الصفات والأحاديث الواردة في ذلك مع الشرح وإبداء رأيه في هذا الموضوع [3] .

كان للشيخ ابن تيمية حاسدون وحاقدون دسوا عليه في هذا الموضوع ليتمكنوا من النيل منه، فدسوا له عند القاضي جلال الدين الحنفي فوافقهم وأرسل إلى ابن تيمية يأمره بالحضور فلم يحضر مما سبب غضب القاضي عليه إلا أن الأمير سيف الدين جاغان [4] وكان محبا له انتصر له وتشدد في معرفة الذين سعوا في الشيخ فعرف أكثرهم فعزرهم فهدأت الأحوال قليلا واستطاع الشيخ ابن تيمية أن يواصل دروسه فجلس على عادته يوم الجمعة مفسرا لقوله تعالى:"وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ" [5] .

(1) ابن كثير: البداية والنهاية جـ 13 ص344.

(2) علي بن إسماعيل من ذرية أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد بالبصرة سنة 270هـ، تزوجت أمه بعد وفاة أبيه بأبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في عصره فتربى في حجره وصار نائبه وأمين سره وظل على ذلك أربعين سنة إلى أن أراد الله له الرجوع إلى دين الحق والصواب فخرج إلى الجامع وقال: أنا تائب عن معتقد المعتزلة راد عليهم مخرج لفظائعهم ومعائبهم أنظر:

الندوي: رجال الفكر والدعوة في الإسلام جـ1 ص149 - 150.

(3) الندوي: رجال الفكر والدعوة في الإسلام جـ2 ص46 - 47.

(4) سيف الدين جاغان ولى نيابة دمشق كان فيه خير ودين، توفى بأرض البلقاء في أول الكهولة سنة 699هـ.

أنظر: ابن العماد: شذرات الذهب جـ5 ص446.

(5) سورة القلم، آية (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت