وابن المرحل [1] ، وابن المنجا [2] ، وغيرهم من كبار العلماء، فذكر ابن تيمية درسا عظيما في البسملة بهر الحاضرين به، فأثنوا عليه جميعا، وكان الشيخ تاج الدين الفزاري يحب ابن تيمية وشديد التعظيم والإكرام له، وقد أعجب بدرسه هذا كثيرا فعلق بخطه على درسه هذا [3] .
واصل ابن تيمية خط والده فكان يجلس في كل يوم جمعة بالجامع، في نفس مكان والده لتفسير القرآن الكريم، فكان يورد في المجلس في تفسير القرآن العظيم نحو كراسين أو أكثر من حفظه بدون سابق تحضير [4] . قال البزار:"كان إذا قرئ في مجلسه آيات من القرآن العظيم يشرع في تفسيرها فينقض المجلس بجملته والدرس بزمنه وهو في تفسير بعض آية منها" [5] .
كان رحمه الله قد جعل من وقته فترة فترة معينة تقدر بربع النهار لشرح القرآن الكريم، بدون أن يكون هناك سابق تحضير لما يريد أن يلقيه فقد كان يدع من حضر يقرأ ما تيسر له، ثم يشرع هو في تفسيره وكان غالبا ما ينهي درسه لمصلحة السامعين، فإنه كان يفهمهم أنه لولا مضى الزمن المعتاد لزادهم في الشرح والتفسير [6] . وكان ذلك من كريم خصاله فلم يكن يريد أن يضيق على الحاضرين ويحرجهم باستبقائهم أكثر من الوقت المعتاد حرصا على أشغالهم.
كان مجلسه يضم كثيرا من طلاب العلم فيغترفون من بحره الواسع لكثرة علمه وتبحره الواسع في شتى المجالات ويصف لنا ابن كثير حالة مجالسه فيقول:"كان يجتمع عنده الخلق الكثير والجم الغفير، من كثرة ما يورد من العلوم المتنوعة المحررة، مع الديانة والزهادة والعبادة، سارت بذكره الركبان في سائر الأقاليم والبلدان" [7] .
حدث في دمشق سنة 693هـ ما أجج عاطفة ابن تيمية الإيمانية وأثار حميته الدينية بشكل عملي حيث قام رجل في دمشق اسمه عساف النصراني يشتم الرسول صلى الله عليه وسلم وقد شهد عليه جماعة من الناس بذلك فتوجه الشيخ ابن تيمية مع الشيخ زين الدين الفارقي [8] شيخ دار الحديث، فدخلا على الأمير عز الدين أيبك الحموي [9] وقصا عليه الحكاية فطلب النصراني وعقد له مجلس بحضور الشهود، ثم أسلم النصراني وانتهت المسألة [10] فألف ابن تيمية في هذه الحادثة كتابه المشهور"الصارم المسلول على شاتم الرسول" [11] .
(1) عمر بن مكي بن عبد الصمد الشافعي المعروف بابن المرحل سمع الحديث وبرع في الفقه وفي علوم شتى منها علم الهيئة وله فيه مصنف درس وأفتى وتولى خطابه دمشق، توفى سنة 691هـ.
أنظر: ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص325.
(2) هو الشيخ زين الدين ابن المنجا، وقد تقدمت ترجمته.
(3) ابن العماد: شذرات الذهب جـ6 ص81، ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص303.
(4) ابن العماد: شذرات الذهب جـ6 ص81، ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص303.
(5) البزار: الأعلام العلية ص23.
(6) ن. م. س: ص23.
(7) ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص303.
(8) عبد الله بن مروان بن عبد الله بن فهر بن الحسن أبو محمد الفارقي شيخ الشافعية ولد سنة 633هـ سمع كثيرا من الحديث اشتغل ودرس بعدة مدارس، وأفتى لمدة طويلة، كانت له همة وشهامة وصرامة، عمر دار الحديث بعد خرابها أيام قازان وقد باشرها النووي 27سنة كانت معه الشامية البرانية وخطابة الجامع الأموي لمدة 9 شهور توفى سنة 703هـ.
أنظر: ابن كثير: البداية والنهاية جـ14 ص30.
(9) تولى نيابة دمشق مدة ثم عزل عنها إلى صرخد ثم انتقل إلى نيابة حمص، توفى سنة 703هـ.
أنظر: ابن كثير: البداية والنهاية جـ 14 ص30.
(10) ابن كثير: البداية والنهاية جـ13 ص335 - 336، محمد العدوي مجلة هذه سبيلي ص215، 216.
(11) رتب ابن تيمية هذا الكتاب على أربعة مسائل:
1 -أن الساب يقتل سواء كان مسلما أو كافرا.
2 -يتعيت قتله وإن كان ذميا فلا يجوز المن عليه ولا مفاداته.
3 -في حكمه إذا تاب.
4 -في بيان السب والفرق بينه وبين الكفر. أنظر ابن تيمية: الصارم المسلول على شاتم الرسول ص3.