الصفحة 16 من 103

نبغ كثير من العلماء في مختلف التخصصات كما ذكرنا سابقا وألفوا في ذلك كثيرا من الكتب وكان بجانب هؤلاء طائفة أخرى من العلماء كان يغلب عليها النقل والاقتباس دون التعمق في العلم [1] .

ونلاحظ أن بعض أتباع المذاهب الفقهية قد تفشت فيهم العصبية المذهبية حيث كان بعض أتباع كل مذهب يحصرون الحق في مذهبهم على غيره ولو كان الصواب عند غيرهم مخالفين بذلك أئمة المذاهب الأربعة الذين كانوا يقدرون علم بعضهم البعض ويثني كل واحد منهم على الآخر فلم يكن الخلاف بينهم خلاف استبداد بالرأي وإنما كان خلاف مجتهدين مخلصين كل بحسب فهمه للنص القرآني أو السنة، فالإمام مالك رحمه الله يقول أمام قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، (وكل منا قوله راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر) .

كان للاختلاف الشديد بين أتباع المذاهب الأربعة ممن عرفوا بالسطحية في الفهم في ذلك الوقت من العوامل المهمة التي جعلت ابن تيمية يقوم بإفهامهم خطأ ما هم عليه من سوء الاعتقاد في الأئمة فقام بتأليف كتابه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) مبينا فضل الأئمة الأربعة كلهم بدون تخصيص أو تفضيل أحد على الآخر ونشأت بعد ذلك مدرسة لابن تيمية ترى أن الخلاف بين أتباع المذاهب على الأفضلية والأولوية بحسب قوة الدليل الشرعي عند كل منهم مع احترام بعضهم البعض وتقدير علمهم سواء كانوا شيوخا أو تلاميذا ومع ما بينه ابن تيمية لتلاميذه وما انتشر عنه نجد أن بعض الفقهاء من الحنابلة والأشاعرة كان العداء مستحكما بينهم فكان كل فريق منهم يكفر الفريق الآخر [2] مخالفين بذلك أئمتهم. فقد كان أبو الحسن الأشعري إمام الأشاعرة مقدر لأمامة وعلم أحمد بن حنبل فيقول عنه (أنه: الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق ورفع به الضلال) [3] .

ويصور لنا عبد الرحمن الشرقاوي الخلاف المذهبي في محاورة دارت بين بعض العلماء والشيخ ابن تيمية حيث يقول ابن تيمية (الاشتغال بالخلاف المذهبي صرف همنا إلى هذا الخلاف وعكفنا على تقليد الأئمة الكبار وألفنا الجمود عند آرائهم. فإذا تكلفنا مشقة البحث عن الرأي الحق في مذهب غير مذهب إمامنا تحرجنا من اتباعه -لماذا؟ ... لنتجمد على مذهبنا!) [4] .

ويذكر ابن تيمية أن البعض يغض من قيمة الأئمة الآخرين مع أنهم جميعا بدون تخصيص ورثة الأنبياء، ولا أحد من الأئمة يقصد مخالفة الكتاب والسنة في شيء دقيق ولا جليل فهم متفقون على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانوا جميعا يوصون تلاميذهم (إذا صح لكم حديث يخالف قولنا فاتركوا قولنا واتبعوا الحديث) واستشهد لذلك بأبي يوسف حين قدم المدينة ورأى أوقاف الصحابة فعدل عن رأيه في بطلان الوقف رغم أن أبا حنيفة وأصحابه يرون ذلك لأنه حبس للمال وقيد على الإرادة [5] .

(1) الندوي: رجال الفكر والدعوة في الإسلام جـ2 ص28، محمد ابن المبارك: آراء ابن تيمية ص12.

(2) الندوي: رجال الفكر والدعوة في الإسلام جـ2 ص30.

(3) الندوي: رجال الفكر والدعوة في الإسلام جـ1 ص153.

(4) الشرقاوي: الأهرام ص13 - 8/ 9/ 1982.

(5) ن. م. س: ص13 - 8/ 9/1982م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت