صاحب البداية والنهاية كما نبع في عصره علماء أكفاء كانوا مرجع الخلق وانتشر صيتهم في الآفاق كالقاضي كمال الدين بن الزملكاني [1] وقاضي القضاة جلال الدين القزويني [2] والقاضي تقي الدين السبكي [3] والعلامة النحوي أبي حيان الأندلسي [4] وغيرهم كثيرون. كان يواكب هذه النهضة اهتمام واضح من الحكام فقد أنشئت في مصر والشام المدارس الكثيرة ودور الحديث والمعاهد العلمية التي كان هؤلاء العلماء ينشرون العلم عن طريقها وتشد إليها رحال الشباب وطلاب العلم أمثال المدرسة الكاملية [5] والمدرسة الصالحية [6] والمدرسة الظاهرية [7] وكانت سبل العلم والبحث ميسرة وفي متناول الجميع فكانت المكتبات الضخمة التابعة للمدارس أو المستقلة عنها تحتوي على أمهات الكتب في كل مجال من مجالات المعرفة مثل المكتبة التابعة للمدرسة الكاملية حيث كانت وحدها تحتوي على مائة ألف كتاب [8] كذلك المكتبة الظاهرية فيها خزانة كتب تشتمل على أمهات الكتب في سائر العلوم [9] .
(1) كمال الدين أبو المعالي محمد بن علي بن عبد الواحد الزملكاني الأنصاري الشافعي قاضي قضاة دمشق ولد سنة 667هـ كان إماما بصيرا بمذهبه وأصوله قوى العربية صحيح الذهن فصيحا أديبا أفتى وعمره فوق العشرين له كثير من التصانيف بعضها في الرد على ابن تيمية في مسألة الطلاق والزيارة، توفى سنة 727هـ. أنظر: ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة جـ9 ص270.
(2) جلال الدين محمد بن عبد الرحمن بن عمر القزويني الدمشقي الشافعي، ولد سنة 666هـ تفقه على أبيه واشتغل في أنواع العلوم، ولى الخطابة ثم القضاء بدمشق ثم قضاء مصر، ألف كثير من الكتب منها تلخيص المفتاح في المعاني والبيان. أفتى ودرس وناظر وتخرج على يديه الكثيرين -توفى سنة 739هـ. أنظر: ابن العماد: شذرات الذهب جـ2 ص123.
(3) الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي ولد سنة 683هـ درس التفسير والحديث والفقه والأصول واللغة والنحو وبرع فيهم، تخرج على يده الكثير، ولى قضاء الشام بعد جلال الدين القزويني صنف نحو 150 كتاب -توفى سنة 756هـ.
أنظر: ابن العماد: شذرات الذهب جـ6 ص180.
(4) العلامة أثير الدين محمد بن يوسف بن حيان الأندلسي الغرناطي، له مصنفات جليلة منها تفسير القرآن العظيم وشرح التسهيل وكان عالما في النحو واللغة والتفسير سمع الحديث من نحو 450 شيخا تجول في كثير من البلاد إلى أن استقر في القاهرة، تخرج على يده الكثيرون.
أنظر: ابن العماد: شذرات الذهب جـ6 ص145، 146.
(5) تعرف بدار الحديث الكاملية أنشأها السلطان الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب سنة 622هـ وهي ثاني دار عملت للحديث بعد دار الحديث التي بناها نور الدين زنكي بدمشق وقد وقفها الملك الكامل على المشتغلين بالحديث النبوي وفقهاء الشافعية وجعل لها أوقافا كثيرة للاتفاق عليها.
أنظر: المقريزي: الخطط جـ2 ص375.
(6) بناها الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة 640هـ، كان يلقي فيها أربع دروس فقه في المذاهب الأربعة في الأسبوع، وجعل لها أوقافا كثيرة. أنظر: المقريزي: الخطط جـ2 ص374.
(7) بناها السلطان الظاهر بيبرس سنة 662هـ جعل لها أوقافا كثيرة وأمر ألا يستعمل فيها أحد بدون أجره وألحق بها مكتب تعليم أطفال المسلمين الأيتام القرآن الكريم وأجرى لهم الجرايات والكسوة وكان يلقي فيها دروس الفقه والتفسير والقراءات وغيره.
أنظر: المقريزي: الخطط جـ2 ص378، 379.
(8) الندوي: رجال الفكر والدعوة في الإسلام جـ2 ص29.
(9) المقريزي: الخطط جـ2 ص379.