وبجوار هؤلاء العلماء كان بعض العامة يعاني من الجهل والتخلف الشيء الكثير فلم يتلقوا العلم ولم ينهلوا من معين المعرفة فبعدوا عن الشريعة الإسلامية الصحيحة مما ساعد على تفشي البدع والخرافات بينهم وتفشي عادات وتقاليد ليست من الإسلام، والتي عمل أعداؤه على نشرها بين الناس لكي ينخروا في أساس الدولة الإسلامية ليدب فيها الفساد والانحلال ببعدهم عن شريعة الله فيسهل عليهم القضاء عليها فقام البعض باسم الدين يشوه معالمه فدفعوا الناس إلى الإيمان بأشياء بدعية فيها إشراك بالله سبحانه وتعالى مثل الصخرة التي كانت بنهر قلوط حيث كانت تزار وينذر لها النذور ويتبركون بها لجلب النفع لهم ولدفع المضرة عنهم [1] .
كما وجدت الطرق الصوفية الضالة الطريق ممهدا لها لبث أفكارها وآرائها الإلحادية، فسرعان ما التف حولها الناس بل وبعض الحكام، فانتشرت في تلك الفترة بين العامة حلقات الذكر الغير صحيحة، إذ كان فيها الذكر بنغمة خاصة ويرقصون فيها حتى يسقطوا على الأرض، ويتمرغوا مستغيثين بأصحاب الأضرحة من الأولياء والصالحين، وشاع بين الناس أن زعماء الصوفية هؤلاء لديهم كرامات وأنهم أولياء الله فخافهم الناس، ولم يجسروا على نقدهم أو التعرض لهم بسوء لاعتقادهم الشديد أنهم أولياء الله.
كما انتشرت في تلك الفترة أفكار ابن عربي [2] بين الناس ولاقت هوى في نفوسهم فقد كان ينادي بوحدة الوجود وتفاني المخلوق في الخالق فيسقط التكليف فإذا أحب المخلوق الخالق حل فيه الخالق (نستغفر الله من هذا الشرك) فيصبح المخلوق غير مكلف بالعبادات وغيرها .. فهجر أتباع هذا المذهب الضال العبادات وأهدروا الأعراف الخلقية وارتكبوا ما شاءوا من المعاصي بحجة حب الله.
فاستدعى هذا الوضع المتدهور أن يكون هناك علماء أفذاذ يرفضون الرضوخ لهذا الوضع وترك الناس على علاتهم من بعد عن الشرع الإسلامي الصحيح فهبوا للدفاع عن العقيدة الإسلامية وحفظها من تشوهات الصوفية المنحرفة وما شابهها لكل يعود الناس إلى الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح وكان على رأس هؤلاء العلماء الشيخ ابن تيمية وأصحابه فجزاهم الله عن الإسلام وأمته خير الجزاء.
كانت هذه هي الأوضاع السائدة في المجتمع الإسلامي في عصر ابن تيمية حيث شب فيه وترعرع وعاش فكان له أثر كبير في تشكيل حياته واتجاهه حيث استفاد من العلماء والمدارس وسبل المعرفة وفي نفس الوقت يرفع لواء التجديد والإصلاح فيما خالف الشريعة الإسلامية الغراء.
(1) ابن كثير: البداية والنهاية جـ4 ص34.
(2) صوفي معروف بمذهبه في وحدة الوجود يلقب بالشيخ الأكبر، وهو أبو بكر محمد بن علي ابن عربي ولد بمرسيه درس الفقه والحديث بأشبيلة ثم ارتحل إلى الشرق فدخل مصر والحجاز وما بين النهرين وأقام بدمشق وتوفى بها، كان في العبادات والمعاملات ظاهريا وفي العقائد باطنيا، تبلغ مصنفاته 200 مصنف وأتهم بأنه يشيع المذاهب المضلة في الاتحاد والحلول.
أنظر: شفيق غربال: الموسوعة العربية الميسرة ص22.
ويراجع كتاب طلعت غنام: أضواء على التصوف ص205 - 206.