عاشرًا: الأدلة على مشروعية التثريب على المخالف
إذا كان المخالف المراد تثريبه مخالفًا لكتاب الله وسنة رسوله، خارجًا عن فهم السلف ومن سار عل هديهم، فإن الإسلام لا يرى غضاضة في التثريب عليه لأنه من أهل الخطأ في هذه الحالة، بل يصل الأمر في كثير من الحالات إلى الوجوب، لما يلي:
1 -فمن القرآن
أ ـ ما مضى ذكره من الأيات في معاتبة الله لأنبيائه على فعلهم خلاف الأولى وفي قصة آدم نص على المعصية، ووصفه الله بهذه الحالة أنه غوى، وليراجع ص 7 - 9.
ب ـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نادمين} فهنا سمى من كذب في أمر القوم وأنهم منعوا الزكاة، فاسقًا لكذبه على رأي من ذهب إلى هذا التفسير ولم يعترض على سبب النزول، وإذا سمي منن كاد أن يريق دماء المسلمين بلا سبب فاسقًا فكيف بمن يزعزع عقائدهم ويشككهم في امور دينهم ويفتنهم فيه!!.
ج ـ سمى الله الذين نادوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وراء الحجرات بصوت مرتفع ودعوه كما يدعي أحدهم صاحبه، أنهم لا يعقلون - ليسوا بعقلاء في ذلك - {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}
د ـ عتاب الله للصحابة في حادثة أحد والحكم على بعضهم بأنهم أرادوا الدنيا على الآخرة {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}
هـ ـ عتاب الله لمخشي بن حمير - رضي الله عنه - في قوله تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُو نَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} فوصف هنا بالكفر أثناء الحادثة وقبل توبته، ثم تيب عليه وبقيت الآية عظة للمتعظ.
وغير ذلك مما يطول المقام بذكره، ولعل ما ذكرت فيه الكفاية لطالب الحق، ولا أظن بعد عتاب الله لأنبيائه من شيء، حيث لا أبلغ من عتاب الله لمحمد - صلى الله عليه وسلم - في سورة الأحزاب في قصة زيد بن الحارثة - رضي الله عنه - وأم المؤمنين زينب بنت جحش - رضي الله عنه - إذ يقول تعالى {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} لذا أخرج الطبري 22/ 11وأصله في الصحيح بلفظ (من حدثك بثلاث) من قول عائشة رضى الله عنها قالت: لو كتم محمد صلى الله عليه وسلم شيئًا مما أوحي إليه من كتاب الله لكتم ... {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} يراجع ما قاله ابن كثير في الآية.