تاسعًا: منهج الإسلام في التثريب:
من تأمل نصوص الشريعة، وأقوال أهل العلم المبنية على الأدلة الشرعية يجد أن الإسلام في النقد والتقريع، والتثريب ينهج ما يلي:
1 -إما أن يثرب على الفكرة، وما يدعو إليه الشخص، دون التعرض للشخص.
وهذا ظاهر في نهي الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصحابة عن كثير من الأمور التي بلغته أن بعضهم يفعلها أو يقع فيها حيث يقول كما عند ومسلم والنسائي وغيرهما من حديث انس رضى الله عنه في قصة النفر الذين سألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ... (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا /؟ لكني اصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)
وفي حديث البخاري و مسلم من حديث عائشة رضى الله عنها قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما بال / أناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله، فليس له، وإن اشترط مائة شرط، شرط الله أحق و أوثق)
وحديث البخاري مسلم أيضًا (ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه ... )
وحديث البخاري مسلم أيضًا (ما بال أقوام يرغبون عما رخص ... لي .... )
وحديث مسلم أيضًا (ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا لي .... ) قال النووي في شرحه على صحيح مسلم وفيه حسن المعاشرة بإرسال التعزيز والإنكار في الجمع، ولا يعين فاعله فيقال ما بال أقوام ونحوه أ. هـ
ولأن الأمر لا يحتمل سوى التحذير من هذا الفعل، فمن صدر منه جاهلًا ... لا يعلم الحكم، وليس له قصد التوسيع على العباد، بما لم يأذن به الله تعالى، كما أن من صدر منه الخطأ، لم يكن محل القدوة الذي يجب أن يحتذى حذوه.
2 -وإما أن يثرب على الشخص والفكرة، أو ما يدعو إليه معًا
وهذا جلي في حادثة معاذ رضي الله فعن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا! فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ فقال: (أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة) متفق عليه وفي رواية قال: (أفتانٌ يا معاذ!؟) وهنا ثرّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على معاذ - رضي الله عنه - ونهى عن إطالة الصلاة.
وأصرح من ذلك حديث الإمام أحمد رحمه الله، وفيه: عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال ينزلون على أبواب المساجد نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهم كأسنمة البخت العنوهن، فإنهن ملعونات لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدم نساؤكم نساءهم، كما خدمتكم نساء الأمم من قبلكم) رواه أحمد، والحاكم والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح وقال الحاكم صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وهنا أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بلعنهن، إضافة إلى تحريم فعلهن، فاشتمل الحديث على البراءة منهن وذلك بلعنهن، وعلى نقد فعلهن وتحريمه. وهنا تكمن التربية للأمة، التربية الحقة لا تربية الإغراق في المصالح الموهومة التي لا وجود لها إلا في أذهان المميعين.!!
3 -وإما أن يثرب على الشخص دون الفكرة، والفعل الذي صدرمنه خصوصًا إذا كانت فكرةً كفريةً الحاديةً قد تعلق في قلوب العامة إذا طرحت على مسامعهم، وكان الناقد لها بضاعته العلمية مزجاة، أو كانت دعوة إلى جاهلية جهلاء وعصبية صماء، أو كانت في الإعراض ولا مصلحة لظهورها على سطح الواقع والمصلحة هنا في التثريب على الشخص دون الفكرة، لكي لا تعلق في قلوب العامة كما ذكرت ولا يثلم عرض، وبرهان ذلك: