الصفحة 13 من 26

خامسًا: ملحوظة يجدر الإشارة إليها.

تكمن هذ الملحوظة وراء حديث البخاري ومسلم في قصة كعب بن مالك - رضي الله عنه - عندما تخلف عن غزوة تبوك وفي الحديث أن رسول الله - عندما بلغ تبوك سأل عن كعب فقال: (ما فعل كعب) ؟ فقال رجل من بني سلمة، يارسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل - رضي الله عنه - بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله - الحديث

فيا ترى لماذا لم يعنف الرسول - القائل حبسه برداه والنظر في عطفيه، ويخبره أن هذه المقولة من الغيبة التي لا تجوز؟! إذ من المعلوم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يكون من الرسول -.

والجواب والله اعلم أن هناك جذوة من نار تعتلج في صدر الصحابي الجليل - رضي الله عنه - قائل تلك العبارة غيرة على دين الله ولماذا يتخلف كعب - رضي الله عنه - عن جيش العسرة في وقت المسلمون بأمس الحاجة إليه، حيث هذا خذلان للمؤمنين.

لذا لم يتحدث الصحابي الجليل - رضي الله عنه - عن كعب - رضي الله عنه - تشهيًا وتشفيًا إنما غيرة لدين الله وكلمة حق رأى من الواجب قولها، فلم يعنف عليه الرسول - فيطفي هذه الجذوة إذ المقصود من الرد تبيين خطأ الحكم على الشيء قبل أخذ التصور الكامل عنه إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره وبيان خطأ ذلك قد حصل من معاذ - رضي الله عنه - ودافع عن أخيه بظهر الغيب.

إذًا في قول الصحابي - رضي الله عنه - حق وباطل، أم حقه فهو غيرته، وغضبه لله عندما تخلف كعب بن مالك - رضي الله عنه - عن الغزوة بلا عذر، وهذا هدي الرسول - إذا انتهكت حرمات الشرع، الغضب لله، وأما الباطل الذي وقع فيه الصحابي - رضي الله عنه - هو توسعه في اللفظ، والحكم قبل العلم، وهذا قد عولج من قبل معاذ - رضي الله عنه - عندما قال: (بئس ما قلت) فلم تكن من الغيبة ولو كانت لما سكت الرسول - ولكنها من سوء الظن الحامل عليه الغيرة لدين الله، وقد يكون ظاهرها ـ الكلمة ـ الغيبة، ولكن ليس حكمها حكم الغيبة.

وما مضى ذكره يقال في حوادث عمر - رضي الله عنه - في قوله في كثير من المواقف (نافق يارسوا الله دعني اضرب عنقه) حيث حكم بالنفاق لغيرة تضطرم في صدره غضبًا لدين الله، فلم يكن يعنفه الرسول - على هذا الحكم وإنما (أتريد أن يقول الناس إن محمدًا يقتل اصحابه؟!) مما يوحي أن فعل عمر - رضي الله عنه - صواب، لو لا أن يقول الناس، بل قال عمر - رضي الله عنه - ذلك القول في بدري من اهل بدر، فلم يعنف الرسول - على عمر - رضي الله عنه - هذا الحكم، وإنما قال سلوه لماذا فعل هذا؟! كل ذلك حرصاص على عدم اطفاء هذه الجذوة التي تضطرم في قلوبهم، غضبًا لله وغيرة على دينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت