سادسًا: موقف الناس من المثرب على الآخرين
من هنا يحسن أن نقول إن الناس وقفوا من المثرب على الآخرين بسبب أخطائهم موقفين لا ثالث لها:
الموقف الأول: الناهي عن مثل ذلك جملة وتفصيلًا.
الموقف الثاني: المؤيد لمثل ذلك جملة وتفصيلًا.
والصواب لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء وإنما التفصيل، وأن يفرق بين رجل أخطأ خطاءًا واحدًا، أو عدة أخطاء، ولكن منهجه منهج السلف في الدقيق، والجليل، أبلى في الدعوة إلى الله بلاءً حسنًا، خطأه ناتج عن اجتهاده الذي توصل إليه بالأدلة الشرعية ولكن لم يحالفه الصواب.
ورجل أخطأ خطاءًا واحدًا، أو عدة أخطاء، لا بسب اجتهاد توصل إليه بعد النظر في الأدلة، وإنما لمنهج يحتذيه ويأمر به سواء كان منهج التمييع أو مايسمى بفقه التيسير، والتوسيع على العباد، أو منهج الإرجاء وجعل الناس جميعًا مؤمنين، أو منهج إطراح الأدلة جانبًا لأنها خالفت العقل، وقاعدته تقديم العقل على النقل، بمعنى أصح رجل يخبط في الأصول خبط عشواء، يختلف معك في جوهر الدين ولبه، ولو كان في الفروع لخف الأمر، رغم عظمه، وخطره، ولكن شيء أهون من شيء، إذ يخالفك فيما لا يتسع الخلاف فيه ولا يمكن أن يعذر بعضنا بعضًا فهي، أو أنه لا يفسد للود قضية إذ أنه خلاف لا اعتبار له البتة، أو أنه خلاف في ثوابت ديننا ومسلماته.
إضافة إلى النظر إلى الخلاف أهو من خلاف التنوع أم من خلاف التضاد، وإذا كان من خلاف التنوع ينظر هل يسع الخلاف أو لا يسع.
والمدهش أن المتهوكون والمدافعون عنهم، لسانهم يلعج بأن الأمر فيه خلاف يسعنا جميعًا فلا إنكار، ولا تثريب، ولا تشهير، ولا تعنيف، يعذر بعضنا بعضًا فيم اختلفنا عليه، ولا يفسد للود قضية، وهذه مسائل خلاف لا مساغ للإنكار فيها.
والغريب في الأمر أن هذه اللاطفة، والدعوة إلى التسامح في الخلاف، تذهب أدراج الرياح، إن كان خلافهم مع الجماعات السلفية وممن يحاول أن يحتذي حذو السلف ويقتدي بهم من أهل الورع والزهد وممن يحاول أن يقتفي أثرهم، فيمطر بوابل من العبارات اللاذعة ويرمى بنيران الشهب الكلامية، ويرجم بالقذائف المحرقة، أين قاعدة الأمس (نجتمع فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا عليه) وقاعدة (الخلاف لا يفسد للود قضية) ؟!!!!